الأخبار |
مصطفى الكاظمي: اختبار النجاح... فالبقاء!  المعلم “الملقّن” لم يعد ينفع.. مدارسنا بحاجة لمدرسين بمهارات عالية!  ما هي خطة ضم الضفة الغربية ووادي الأردن.. وما هي السيناريوهات المحتملة؟  قتل شقيقته ذبحاً بالسكين بعد أن اغتصبها.. والأب متورط بالقتل!  ماكرون يستبدل فيليب بكاستيكس: إصلاحٌ صوَري تمهيداً لانتخابات 2022  هل تعود السياحة في البلدان العربية إلى ما كانت عليه قبل كورونا؟  في مواجهة الحصار: فتّش عن الدعم الزراعي والصناعي  أنت جيّد وهم أنانيون!.. بقلم: عائشة سلطان  لمن ينتظرون فوز "بايدن" برئاسة الولايات المتحدة!!  تركيا تُغرق الاسواق بمليارَي دولار: التهريب يكمل ما بدأته العقوبات  البرلمان التونسي يرفض تصنيف "الإخوان المسلمين" تنظيما إرهابيا  حالات الإصابة الجديدة بكورونا في أمريكا تتجاوز 53 ألف حالة  لبنان يفتح حدوده البرية مع سورية الثلاثاء والأربعاء القادمين  الدوري الممتاز لكرة القدم… فوز حطين والوثبة والفتوة يشعل المنافسة على الصدارة والهبوط  ماذا يحدث على الحدود السودانية-الإثيوبية.. اشتباك مسلح يتصاعد بين البلدين فمن يقف خلفه؟  شكراً (كورونا )؟!!…بقلم: خالد الشويكي  عالم تنبأ بـ"كوفيد-19" يحذر من وباء أكثر فتكا في غضون 5 سنوات  إصابات وشفاء ووفاة واحدة.. تطورات "كورونا" في سورية  رجل ينتحر وسط بيروت ويترك على صدره رسالة “أنا مش كافر”!  شركة أمريكية تحصل على إذن المغرب لاقتناء مصنع للطائرات     

شعوب وعادات

2019-09-27 04:38:02  |  الأرشيف

القوانين تمنعها ولكن.. “الأركيلة”.. تسلل سريع إلى حياة الأطفال.. انتهاك لبراءتهم.. وتجاهل مجتمعي لخطورة أضرارها

استوقفتني في إحدى الحدائق العامة منافسة من نوع جديد بين مجموعة من الأطفال، أو بالأحرى طلاب المدارس الذين يتنافسون فيما بينهم على نفث دخان “الأركيلة”، فكانوا يتناوبون على “نبريشها” بطريقة هستيرية، ويصفقون للفائز الذي يستطيع تحقيق كثافة دخانية أكبر من غيره، طبعاً هذه المنافسة تجسّد واقع الحال في مجتمعنا الذي لا يبالي بما يحصل، والدليل أنه لم يتحرك أحد من المتواجدين على مقاعد الحديقة لتوجيه وتوعية هؤلاء الأطفال، بل كان الجميع يراقب ويبتسم للمشهد دون أية ردة فعل.
لا شك أن تجاهل هذه الظاهرة ساعد وسهّل بشكل كبير عملية اقتحام “الأركيلة” لعالم الأطفال، فعبثت به كالنار بالهشيم، واخترقت جلساتهم التي تحلو دونها، وباتت بأدخنتها وقرقعتها الجليس الأول الذي لا يفارق أيامهم، عدا عن الأعباء المادية التي تفرضها على الأهل، سواء لجهة الأضرار الصحية التي تسببها، أو لجهة تكاليف شراء هذا السم اللذيذ الذي يستسيغه الجميع.
أول الغيث قطرة
لم تتطور الظاهرة لدى الأطفال بمعزل عن العائلة ونمط حياتهم، فعندما ينشأ الطفل أو المراهق، ويعتاد على مظهرها ووجودها الدائم في المنزل، ويستسيغ رائحتها، هنا يبدأ بتقليد عائلته، ويتبنى ثقافته، ويقتنع بكونها نوعاً من التسلية، وتمضية أوقات الفراغ، دونما إدراك لمخاطرها، ولتأثيرها السلبي عليه من كل النواحي.
فاديا مهنا، أم لثلاثة أطفال (40 عاماً)، تحدثت عن تجربتها حيث قالت: في بداية الأمر جربت تدخين “الأركيلة” مع جارتي كونها تساعد في تمضية الأوقات، وخاصة بالفترة الصباحية، فأكون وحيدة بالمنزل بعد توجه أطفالي للمدرسة، واعتدت عليها، وأصبحت جليستي حتى في سهرات العائلة، ولكن بمرور الأيام لاحظت ميل أطفالي لها، ورغبتهم بتجربتها وإصرارهم على معرفة مذاقها، وهنا تشجعت واتخذت القرار بتركها لأكون قدوة لأطفالي.
إذاً لكل طفل بيئة مساعدة تدعمه إما إيجابياً أو سلبياً، فيتأثر بها، وعندما يرى أحد أفراد عائلته سعيداً بتدخين “الأركيلة” سيرغب بها ويتطلع لتجربتها.
غير مدخنة
أما محمد حيدر، أب لطفلين (35 عاماً)، فكانت له حكاية مختلفة مع “الأركيلة” يقول: عانيت جداً بسبب “الأركيلة”، فولدي اعتاد عليها خارج المنزل، رغم أننا عائلة غير مدخنة، واضطرت إلى اصطحابه لاختصاصي نفسي حتى استطاع الإقلاع عنها.
وأضاف بأن الدور الأكبر في هذه المشكلة سيكون من واجب العائلة، فالطفل أو المراهق لم يصل بعد لمرحلة الاعتماد على الذات، أو اتخاذ القرارات المناسبة.
ومن ناحيته أمجد أحمد، أب لطفلين (31 عاماً)، أبدى حرصه على تدخين “الأركيلة” بعيداً عن الأطفال، فيتعمد تدخينها أثناء تواجد طفليه في المدرسة، أو في وقت نومهم، وأكد أنها عادة سيئة ويرغب بالإقلاع عنها حتى لا يؤثر على أطفاله، ولا يدفعهم لتقليده مستقبلاً.
وكانت لهالة علي، أم لطفل (30 عاماً)، حكاية أخرى مع “الأركيلة” فتقول: إنني معتادة على تدخين “الأركيلة”، لكن طبيبي أخبرني أنها ستؤثر سلباً على صحة المولود، وبسبب تعلّقي بـ “الأركيلة” اعتقدت أنها وساوس طبية، لكنني تفاجأت لاحقاً بوزن مولودي الهزيل، وندمت كثيراً وأقلعت عنها فور ولادتي.
للمقاهي حديث آخر
 
أصبحت “الأركيلة” الطلب المرافق لأي مشروب، والجليس المفضل بأوقات الوحدة، ومع كثرة النكهات وتنوعها جذبت مرتادي المقاهي لتجربتها، وهنا تكون البداية، فما بالك بالأطفال الذين بفطرتهم يرغبون بتجربة الجديد.
 
مصطفى الدباغ، أحد أصحاب المقاهي في منطقة ساروجة، أكد أنه يصادف خلال تواجده بالمقهى الكثير من الأطفال أو المراهقين الذين يرغبون بـ “الأركيلة”، وفي كثير من الأحيان يغادرون المكان لعدم تلبيته لطلبهم كونه مخالفاً لقرارات وزارتي الصحة والسياحة.
وشاركه الرأي أيهم الحملي، المسؤول عن مطعم “عبق الشام” بأن “الأركيلة” ظاهرة منتشرة عند الأطفال، وهناك إقبال كبير عليها من فئة الأطفال والمراهقين، لكنه يرفض ذلك، ويلتزم بالقوانين فقط.
الطامة الكبرى
لا شك أن “الأركيلة” أكثر ضرراً من السجائر، حيث ثبت أن مدخنيها يستنشقون كمية أكبر بكثير من مدخني السجائر نظراً لعملية الاستنشاق العميقة، وطول مدة الاستخدام، فجلسة تدخين “الأركيلة” تتراوح وسطياً بين 30- 60 دقيقة، أي ما يعادل تدخين علبة سجائر كاملة، وهذا ما أكده الدكتور علي محمود إسماعيل (اختصاصي في طب الأطفال) من خلال مقارنة بسيطة بين جلسة تدخين “الأركيلة” مقابل تدخين سيجارة واحدة فالمدخن وفقاً لأحدث الإحصائيات سيتعرّض لثلاث مرات أكثر من النيكوتين، و11 مرة أكثر من أول أكسيد الكربون، و25 مرة كمية من القطران، و10 مرات من الرصاص السام، وهذا ضرر كبير على جسد طفل أو مراهق، مشيراً إلى أضرار “الأركيلة” الفعلية التي تتشبع بأضرار مباشرة (قريبة المدى) مثل ارتفاع ضغط الدم، ومعدل النبض، ومشاكل في وظائف الرئة، وطرح البلغم، والنقص الحاد في أوكسجين الدم، وأضرار غير مباشرة (بعيدة المدى) تتصل بأمراض القلب، والأمراض التنفسية، وانخفاض كثافة العظام، وبالتالي تعرّض العظام للكسور بسهولة، والهشاشة أيضاً، ولا ننسى دورها بارتفاع معدل السرطانات، وخصوصاً سرطان الفم والحنجرة.
ونوّه الدكتور إسماعيل إلى أن المشاركة في تدخين “الأركيلة”، واستخدام “النبريش ذاته” بين الأطفال يزيدان نسب الإصابة بالأمراض المعدية، إضافة إلى ضرر أول أوكسيد الكربون الناتج عن احتراق الفحم المستعمل، وما له من تأثيرات سمية على الجهاز العصبي المركزي لدى الطفل.
بدوره الدكتور جلال الدين شربا (اختصاصي بالأمراض النفسية والعصبية) أبدى تخوفه من انتشار ظاهرة “الأركيلة” عند الأطفال لكونها مؤشراً خطيراً بالمجتمع، ناهيك عن أضرارها الجسدية والنفسية كونها إدماناً لا يختلف عن إدمان الكحول أو النيكوتين الموجود بالسجائر، وعزا سبب إقبال الأطفال والمراهقين عليها إلى مجموعة من العوامل، أهمها تقليد الأكبر سناً من أفراد العائلة والأقرباء، وكذلك الرغبة في إثبات شخصيتهم، وأنهم مسؤولون عن تصرفاتهم أمام أنفسهم، وأمام المجتمع، وأكد على حب الاكتشاف والفضول لدى الأطفال، ما يدفعهم لتجريب كل ما هو جديد، ونوّه إلى ضرورة توعية الأهل لأطفالهم ومتابعتهم دائماً، والإشراف على تصرفاتهم، وأن يكونوا خير قدوة لهم، فلا يمكن للعائلة أن تنهي أطفالها عن سلوك خاطىء وترتكبه أمامهم.
وشدد الدكتور شربا على أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في المرحلة الراهنة، ودورها بتوعية كل أفراد المجتمع بخطورة هذه الظاهرة.
قرارات.. على الرف
لم تقصّر وزارة الصحة في أداء الدور المنوط بها، وخاصة في عام 2009، حيث صدر المرسوم 62 الذي ينص حسب مادته/2/ بمنع التدخين، وبيع منتجات التبغ وتقديمها في الأماكن العامة، وأكدت المادة /5/ على أصحاب المحال العامة أو مستثمريها الراغبين بالسماح بالتدخين أن يخصصوا مساحة من الأماكن غير المغلقة للمدخنين بنسب محددة من مساحة المحل العام، أما في البند د من المادة نفسها فتم التأكيد على منع تقديم “الأركيلة” لكل من هو دون سن الثامنة عشرة، ولن ننسى قرار وزارة السياحة رقم 1025 لعام 2010 وتم التأكيد في المادة نفسها على منع تقديم “الأركيلة” منعاً باتاً في الأماكن العامة المغلقة، وكذلك في المادة/ 6/ على منع تقديم “الأركيلة” لكل من هو دون سن الثامنة عشرة.
إذاً القانون واضح جداً فيما يخص تدخين الأطفال للـ “الأركيلة” في الأماكن العامة، لكن التنفيذ والتطبيق لايزال محدوداً وذلك لصعوبة الحد من هذه الظاهرة والإحاطة بها.
نصيحة لكل عائلة
يبدو أن المؤلف الأمريكي وين داير قد وجه نصيحة لكل عائلة بمقولته الشهيرة “سيرى أطفالك كل ما أنت عليه من خلال طريقتك في العيش وليس من خلال ما تقوله”، لذلك فعلينا، كأفراد في المجتمع، أن نساهم بالحد من هذه الظاهرة لدى فلذات أكبادنا بتضافر جهودنا في العائلة والمدرسة بتبني السلوكيات الصحيحة، والتركيز على نشر الوعي حول أنماط الحياة الصحية، وذلك بالتعاون مع الجهات المعنية.
يارا شاهين-البعث
عدد القراءات : 4795

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245575
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020