الأخبار |
بصور جريئة مستلقية على المكتب البيضاوي.. باريس هيلتون تعلن ترشحها لانتخابات الرئاسة الأمريكية  لأول مرة.. الولايات المتحدة تسجل 60 ألف إصابة بكورونا خلال يوم  "يونسيف": 4.5 مليون عراقي مهددون بالفقر والحرمان غالبيتهم من الأطفال  دولة خليجية تعين قاضيات للمرة الأولى في تاريخها  لافروف يصف محادثات سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا بالمشجعة  سورية وإيران توقعان اتفاقية عسكرية شاملة لتعزيز التعاون العسكري والأمني في شتى مجالات عمل القوات المسلحة  انتهاء امتحانات شهادة التعليم الأساسي.. أسئلة اللغة الإنكليزية واضحة وشاملة  علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  شعبية ترامب وأوراق بايدن.. بقلم: د. أيمن سمير  الصين تفرض رقابة على الإنترنت... وأميركا تدرس حظر تطبيقات صينيّة  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !  فرنسا.. حكومة جان كاستيكس: ماكرون «زعيم اليمين» الجديد؟  الجزائر: تسجيل 475 إصابة جديدة و9 وفيات بكورونا خلال الـ24 ساعة الأخيرة  “3 أعوام من الفوضى تكفي”.. جماعات جمهورية تستعد لإسقاط ترامب!  FBI: نفتح قضية جديدة متعلقة بالصين مرة كل 10 ساعات  الصحة العالمية تعلق على درجة خطورة تفشي الطاعون الدملي  الجمهوريون في مأزق: ترامب و«كورونا» عدوّان انتخابيّان  هي كلمة للقيادة الرياضية السورية الجديدة.. بقلم: صفوان الهندي  عودة «تنقيط الصواريخ»: غزة على طاولة قادة العدو  نجمة تونس الأولى نادرة لملوم: الصدق والوضوح هما مفتاح قلبي وهذه هي خطوطي الحمراء     

شعوب وعادات

2020-03-30 04:51:03  |  الأرشيف

التشغيل المبكّر للأطفال.. ظاهرة خطيرة تفتك بالأسرة والمجتمع

رغم تعدد الآثار الاجتماعية والنفسية التي شكلت إحدى تداعيات الحرب العدوانية، والتي طالت جميع الشرائح العمرية والمهنية والمجتمعية بما حملته من منعكسات مباشرة وغير مباشرة، كان الأطفال هم المتضرر الأكبر في جوانب عديدة، حيث لا يخفى أن الظروف الراهنة شكلت أرضية خصبة لظاهرة تشغيل الأطفال، أو ما يعرف بعمالة الأطفال، بما يعدّ تبديداً مبكرا لطاقاتهم وقدراتهم على حساب دراستهم وتعليمهم.
حالات
وفي هذا السياق كان لمديرية تربية اللاذقية جولات ميدانية من خلال لجنة متخصصة مهمتها الكشف على حالات تشغيل الأطفال في المنطقة الصناعية والمحال الصناعية والحرفية وأسواق الهال لمكافحة عمالة الأطفال، في اللاذقية، وضمت اللجنة التي تمثلت بالدوائر المعنية ممثلين مختصين للبحث عن واقع ومآل وأسباب تشغيل هؤلاء الأطفال. وقد قامت هذه اللجنة “لجنة الطواف” في شعبة التعليم الإلزامي في مديرية التربية برصد حالات تشغيل الاطفال في المنطقة الصناعية، قبل صدور قرار الإغلاق ضمن الإجراءات الاحترازية والوقائية التي اتخذت لمواجهة فيروس كورونا، ورصدت قيام بعض أصحاب المحلات بتشغيل أطفال في سن التعليم الإلزامي.
وأوضح رئيس شعبة التعليم الإلزامي في مديرية التربية جهاد درويشو أن اللجنة رصدت في خمسة محال ١٦ طفلا في عمر الصفين الخامس والسادس يتم تشغيلهم بشكل غير قانوني، مشيرا إلى أن حصيلة جولات العام الماضي أسفرت عن ٢٧٦٧ حالة فاقد تعليمي ممن يجب ويفترض أن يكونوا على مقاعد الدراسة. وقال درويشو: لذلك نواصل الجولات لأن عناوين بعض الأهالي مجهولة لدى المديرية حيث يطرأ تغيير على عناوين أهالي الأطفال الذين يتسربون من التعليم الإلزامي، وفي الوقت نفسه يتم الضغط على أصحاب المحال لأجل عدم تشغيل أطفالهم، لاسيما أن جميع هؤلاء يتم استثمار طاقاتهم بما يفوق إمكاناتهم وأعمارهم، وبعيدا عن كل شروط الرعاية الصحية والسلامة العامة، ويتم تشغيلهم بأجور زهيدة جداً ولاسيما أن أعمارهم لا تسمح بتأمينهم، وهذا ما يجعل أصحاب العمل يستقطبونهم ويفضلون تشغيلهم على الكبار لأجل عدم الالتزام بكل الشروط المهنية والتأمينية والأجور المناسبة.
ظاهرة خطيرة
وللتعرف أكثر على مخاطر وأضرار التشغيل المبكر للأطفال، توجهنا بالأسئلة إلى لدكتورة يسرى زريقة، أستاذ مساعد في جامعة تشرين، والتي أكدت أن ظاهرة عمالة الأطفال تعدّ من الظواهر الخطيرة التي لها تأثيرات سلبية على المجتمعات. وتعرّف ظاهرة عمالة الأطفال بأنها استغلال الأطفال دون السن القانوني للعمل والقيام بأعمال لا تتناسب مع قدراتهم العقلية والجسدية لغرض منافع اقتصادية. ويعتبر الفقر والعوز من أهم الأسباب التي تدفع الأطفال إلى العمل، وتعتبر سورية من البلدان التي أخذت تنتشر فيها عمالة الأطفال بسبب الحرب والحصار الاقتصادي وما نتج عن الأزمة من تهجير وتدمير للمدارس والمنشآت والمنازل. ورأت الدكتورة زريقة أن خروج الأطفال للعمل يعدّ من أكبر المشاكل والأزمات التي تواجه مجتمعنا، فثمة منظمات، أو تنظيمات، تستغل الأطفال وكأنهم مصدر لجني الأرباح وحسب، وثمة أهل يدفعون بأولادهم إلى “العمل” على تقاطع الطرق والمستديرات لجمع غلة يعودون بها ليلاً إلى المنزل.
تهديد
وأوضحت الدكتورة زريقة أن هذه الظاهرة تعد من أخطر الأزمات التي يتعرض لها العالم بأسره، ذلك أن تشغيل الأطفال وتسخيرهم في أعمال غير مؤهلين، جسديا ونفسيا، للقيام بها له مضار على المجتمع بأكمله وليس الطفل العامل وحسب، فهو عمل يهدد سلامة وصحة ورفاهية الطفل،كما يستغل ضعفه وعدم قدرته على الدفاع عن حقوقه، ويسخر الأطفال في عمالة رخيصة بديلة عن عمل الكبار.
أسباب
وتبيّن الدكتورة زريقة أن لعمل الأطفال أسباباً كثيرة من أهمها انخفاض المستوى الثقافي والتعليمي للأسرة وانتشار الفقر بشكلٍ كبير، ما يدفع الأطفال للعمل لمشاركة أسرهم في الإنفاق، إضافة إلى قلة الثقافة الموجودة فيما يخص قوانين عمالة الأطفال، وانتشار الحروب والأزمات الاقتصادية بشكلٍ كبير، والنظام التعليمي السائد الذي يدفع بعض الأطفال إلى ترك الدراسة نتيجة وجود بعض المظاهر السلبية فيها، ومنها معاملة بعض المعلمين لهم بشدة، وعدم وجود الرغبة الجدية في الدراسة وعدم المقدرة على التحصيل الدراسي الجيد.
آثار
وأشارت الدكتورة زريقة إلى أن عمل الأطفال قد يتسبب بأضرار كثيرة  لصحة الطفل ونفسيته منها ضعف في تطور النمو الجسدي للطفل وعدم تناسق في جسم الطفل من الناحية العضوية، بالإضافة إلى حدوث بعض المشاكل في البصر والسمع، ووجود الجروح والكدمات في الجسم نتيجة العمل الشاق، والتعرض للوقوع من الأماكن المرتفعة في بعض الأحيان، والصعوبة الواضحة في التنفس نتيجة التعرض للغازات السامة، وقلة التطور المعرفي حيث تتأثر قدرات الطفل بشكلٍ سلبي نتيجة عمله، وانخفاض في التطور العاطفي حيث يقل احترام الطفل لذاته ويقل ارتباطه وحبه لأسرته كما يقل ارتباطه بالآخرين. والسبب في ذلك يعود إلى بعده عن أسرته، ونومه في مكان العمل في بعض الأحيان، وتعرضه للعنف من رب العمل أو من زملائه، وانخفاض تطوره الاجتماعي والأخلاقي.
وحول واقع عمالة الأطفال في سوريةـ، قالت الدكتورة زريقة: تنتشر ظاهرة عمالة الأطفال في بلدان العالم كافة، لكن ما يميزها في سورية هو الارتفاع الكبير في عدد الأطفال العاملين بالمهن المختلفة، لأسباب كثيرة ساهمت في انتشار هذه الظاهرة. ولعل الحرب هي السبب الرئيسي، وما نجم عنها من أسباب أخرى كارتفاع معدلات الفقر وانخفاض مستوى الدخل الشهري للأسرة، فضلاً عن الغلاء الكبير في الأسعار نتيجة تدهور الليرة السورية، ونقص المواد الأساسية في الأسواق، وغير ذلك من الأسباب.
التحاق مبكّر
وأكدت الدكتورة زريقة أنه في ظل الحرب وتأثر الوضع المعيشي والاقتصادي، اضطر كثير من الأطفال للالتحاق بسوق العمل، إما ليعيلوا أهاليهم أو أنفسهم، ما كان له آثار سلبية عديدة على الطفل. وحسب تقارير الأمم المتحدة، فقد قدرت نسبة الأطفال السوريين العاملين بـ 20% من إجمالي نسبة العاملين، مقارنة بـ 10% قبل الحرب على سورية، ما يعني أن عدد الأطفال الذين دخلوا سوق العمل تضاعف في ظل الحرب العدوانية الظالمة.
أما أنواع الأعمال التي يمارسها الأطفال، فهي في الأغلب أعمال متعبة وشاقة، ولا تتلاءم مع بنية الطفل الضعيفة، فمنهم من يمارس نقل البضائع وتحميلها، ومنهم يمارس أعمال صيانة السيارات والميكانيك، ومنهم من يبيع أشياء بسيطة على مواقف السيارات, ومنهم من تم استغلاله لحمل السلاح في المناطق الواقعة تحت سيطرة العصابات المسلحة.
دوافع
أما الأسباب التي تدفع الطفل السوري للعمل فهي، في الغالب، كما أوضحت زريقة، حاجة الأبوين للمال مع ضعف الدخل اليومي مقارنة مع النفقات العالية بسبب غلاء الأسعار الكبير الذي تشهده البلاد، ما يدفع رب الأسرة الفقيرة لتشغيل أولاده ليساهموا معه في تأمين لقمة العيش. كما أن بعض الأسر السورية فقدت الأب المعيل بسبب الحرب، فبقيت الأم مع أطفالها اليتامى لتعاني الأمرين، حيث قدرت بعض الإحصائيات عدد الأيتام السوريين بـ 100 ألف طفل، 90% منهم غير مكفولين، وهو ما يدفع الأم إلى ممارسة أعمال غالباً ما تكون في المنزل، في حين يساعدها أطفالها الصغار ويعملون لتأمين احتياجات الأسرة. وهناك الأطفال الأيتام الذين فقدوا الأب والأم، فقسم منهم تكفلت بعض المنظمات بإيوائه في دور الأيتام وأمنت له جميع مستلزماته من مأكل وملبس وتعليم وعناية طبية، في المقابل فإن الكثير من الأيتام لم يحالفهم الحظ، واضطروا للإقامة عند أقاربهم الذين، بدورهم، يدفعون ببعض هؤلاء الأيتام إلى سوق العمل للمساهمة في زيادة دخل العائلة المستضيفة.
الحلول
وحول سبل وآفاق الخروج من هذه الأزمة، أوضحت الدكتورة زريقة أن هذه السبل تتجلى أولاً في الحد من الفقر والبطالة من خلال معالجة المشاكل المتعلقة بالأسرة من فقر وبطالة، وتوفير الاحتياجات الأساسية، وبعدها نحتاج قدرا من الشجاعة لوضع قوانين من شأنها معاقبة الأهل في حال قيامهم بدفع أبنائهم صغار السن للعمل، وثانياً ضرورة تفعيل دور المنظمات الدولية فيما يخص الاتفاقيات المتعلقة بعمل الأطفال خصوصا، وحقوق الطفل عموما. وقد ضبطت سورية عمل الأطفال في سياق قانون العمل رقم 17 لعام 2010، والذي حمى الطفل وعالج مشكلة تشغيل القاصرين من خلال تشكيل لجنة لمنع تشغيل تلك “الفئة” في كل محافظة، وتقوم اللجنة بجولات ميدانية أسبوعية لمراقبة تطبيق القانون، وتنظيم الضبوط بحق المخالفين، وفي حال تكرار المخالفة تغلق المنشأة مدة ثلاثة أشهر.
تفاعل الإعلام
وتركز الدكتورة زريقة على ضرورة وجود حملة توعية للجمهور والأهل والأطفال أنفسهم وأصحاب العمل وصانعي القرار بالمخاطر النفسية والجسدية والعقلية على نمو الطفل، وما قد يتعرض له الطفل من مخاطر أثناء العمل، واكتساب العادات السيئة وصولاً إلى مرحلة الانحراف والجريمة.
أخيرا، فإن ظاهرة خروج الأطفال إلى سوق العمل في مثل هذا السن تعد من أسوأ الظواهر السلبية في حياة المجتمع، وهناك ضرورة ماسة لتكاتف جميع الأجهزة المعنية للقضاء على هذه الظاهرة، والعودة بأطفالنا إلى ما يجب أن يلقوه في سنهم من رعاية واهتمام، وإعدادهم للقيام بدورهم الايجابي في بناء المجتمع، فالأطفال هم أمل الشعوب في البقاء والاستمرار.
مروان حويجة
 
 
عدد القراءات : 4501

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245675
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020