الأخبار |
بصور جريئة مستلقية على المكتب البيضاوي.. باريس هيلتون تعلن ترشحها لانتخابات الرئاسة الأمريكية  لأول مرة.. الولايات المتحدة تسجل 60 ألف إصابة بكورونا خلال يوم  دولة خليجية تعين قاضيات للمرة الأولى في تاريخها  مسؤول أمريكي يعتذر عن حضور عشاء مع الرئيس المكسيكي بعد تأكيد إصابته بكورونا  الرئيس العراقي: الانتهاكات العسكرية التركية تجاوز على أراضينا  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  لعبة أردوغان الخطرة.. بقلم: نورا المطيري  “كورونا” يهزم ترامب .. والرئاسة طارت ..!!.. بقلم: صالح الراشد  انتهاء امتحانات شهادة التعليم الأساسي.. أسئلة اللغة الإنكليزية واضحة وشاملة  الصحة المصرية: تسجيل 1025 إصابة جديدة بكورونا و75 حالة وفاة  علماء البيرو يطورون جهازا للتنفس الاصطناعي يعمل بالتحكم عن بعد  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  الدفاع الروسية: هيئة تحرير الشام تخطط لاستفزازات في إدلب واتهام الحكومة باستخدام أسلحة كيميائية  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  عشرات آلاف العمال الأمريكيين يضربون ضد العنصرية في 20 الجاري  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية  الأسرة بحاجة إلى 270 ألف ليرة لتأكل فقط.. و202 ألف إذا قررت أن تكون نباتية !     

شاعرات وشعراء

2016-05-16 03:03:54  |  الأرشيف

البلبل الغريب عاد إلى سورية من جديد … ديوان بدوي الجبل سوريّ النِّجار عربي الهوى من دمشق

إسماعيل مروة
طالت غربتك يا شيخ شعراء سورية، ويا شيخ الشعر العربي الحديث عن أرضك عن سورية، رقد جسدك العبقري في «السّلاطة» إلى جانب شيخنا الجليل الشيخ الجليل سليمان الأحمد، ولكن قافيتك وقصيدتك بقيتا تعانيان غربة الروح والحرف بعيداً عن سورية التي عشقتها، وعن الشام المدلعة عندك، والتي ما خاطبتها يوماً إلا باسم الشام والشآم، طالت غربة صفحات ديوانك، ولكن إبداعك العظيم حافظ على رونق الحرف وجوهر الشعر، فبقيت تسقي عند اللاذقية شاطئاً، وتحب الشام بهراً وتغنيها.. ومن غربة القصيدة والحرف وصل النداء… وها هي سورية التي اشتاقتك ولازمتك في غربتك تعود إليك، تستنجد بشعرك في شهيد بذل دمه كرمى لتراب الوطن… وها هي الشام بعد غربة دهر تحمل شعرك على راحتيها وتتقدم به من عرش الشعر اللائق، وهل مثل الشام تستحق الافتداء والبذل والعطاء؟!
الديوان شآمي

لا تخلو قصيدة من الشام وذكرها عند البدوي، وهو الشآمي حتى النخاع، وشام عنده جوهر ورمز، وطن وعشق، هوى وغاية، اختارها واختارته، كرمها وكرمته، امتدحها فخلدته، ولا أزال أذكر البدوي عندما شخص لاستقبالنا في السلاطة عندما وارينا أخته الثرى، إلى جوار والده الشيخ الفقيه الإمام الشاعر سليمان الأحمد يرقد مستريحاً، شخص يومها، وأرسل حبه معنا لشآمه التي احتضنته وأحسنت وداعه، وما تزال تردد اسمه في الجنبات، وكان حزيناً لأن شعره لا يسكن الرفوف في الشام، والمطابع كساها الحزن لأنها لم تمر على عطر قافيته، في ذلك اليوم بحت لصديقي الأستاذ الحفيد محمد الأحمد بما سمعته من البدوي في زيارتي لقبره، فقال: نحن نستعد لإعداد طبعة جديدة من ديوانه، هناك زيادات، ولكن سنقوم بطبعه حين يحين الظرف.. اليوم صدر ديوان بدوي الجبل في دمشق بتوجيه من السيد الرئيس كما جاء في تقديم السيد وزير الثقافة، وعلى مطابع وزارة الثقافة، ولو صمتت المطابع زمناً لكفاها أنها طبعت هذا الديوان، إنها طبعت الشعر الشعر، الشعر الذي يجمع ولا يفرق، يوحّد ولا يزرع إلا الحب، يعلّم الحب بلهب قدسي أحرق الشعراء وأنصاف الشعراء بعده، شكراً للتوجيه الذي غمر الشام بشعر البدوي، غمر البدوي بحب أهله وشامه، وأخرجه من صقيع روح الشاعر.
اسعد أيها الشعر، اسعدي يا شام، هدهدي البدوي وشعره وديوانه وكلماته، استعيدي ما قاله في المنتمين من الشيخ الدرويش إلى الشيخ مصطفى الغلاييني، رددي غزله، «فخالقه» للبدوي وبعد البدوي لا وجود «لخالقه»، وقبله لم تجل حسنها لأحد… وصدور ديوان محمد سليمان الأحمد «بدوي الجبل» اليوم يبدأ صفحة ناصعة في حب الوطن والإنسان، في تقدير المبدع ودوره، في تخليد الشعر وأغراضه ومعانيه.
ويحمد لوزارة الثقافة أمانتها المطلقة في طباعة الديوان، فصفحة رشيقة للسيد الوزير، وصفحة عرفان رشيقة لآل بدوي الجبل تبعتهما مقدمة صديق البدوي المقرب أكرم زعيتر التي قدّم بها لطبعة الديوان الأولى في دار العودة ببيروت، وهذه المقدمة هي أم القراءات في شعر البدوي، ومهما كتب عنه لن يكون بهذه الحميمية والعمق والقرب من الشاعر وشعره، والمقدمة كبيرة اقتربت من الدراسة العميقة، لكن الوزارة حافظت عليها وعلى الذائقة النقدية القائمة على التذوق، والبعيدة عن الفذلكات النقدية، وأزعم أن هذه المقدمة الدراسة من أهم مفاتيح قراءة شعر البدوي الكبير.. ومن ثم جاء الديوان بالترتيب نفسه من الكعبة الزهراء درة البدوي، وحتى آخر قصيدة، وما تمّ استدراكه من خط البدوي تم استدراكه من دون تغيير في الترتيب، ليأتي ملحق لقصيدتين تنشران أول مرة.. وفي استعراض الديوان نجد أمانة الوزارة المطلقة في الشكل والمضمون، فكما حافظت على المضمون لكونه وثيقة تاريخية، حافظت على الشكل، فالقصائد وإخراجها يطابقان مطابقة تامة الطبعة الأولى، وحتى الورق ولونه، والصورة في الغلاف ولون الغلاف، وخط الغلاف، كل هذه التفاصيل حافظت عليها طبعة الوزارة السورية، وكأنها بذلك تناجي البدوي، وتقول له: كما أردتَ أنتَ صورناك، وهيئتك ووقارك كما هو وكما غادرت فاهنأ أيها الشاعر والسياسي والبرلماني في رقدتك فأنت كما أحببت وأحببناك.

الجبال وحدها
تمنيت حين وقفت على قبر البدوي مع ابن أخته د. هاني صالح والأديب محمد عباس أن يطبع ديوانه في دمشق، فلو طبعت دمشق شعر شعراء العالم، الذين يملكون الشاعرية والذين يدّعونها، ولم تحتفل بديوان البدوي فكأنها لم تفعل شعراً، وهي التي خصّها البدوي بذوب إحساسه وشعره.
أما الشآم فلم تبق الخطوب بها
روحاً أحبّ من النعمى وريحانا
هل في الشآم وهل في القدس والدة
لا تشتكي الثكل إعوالاً وإرنانا؟
وعاد إلى ذاكرتي أستاذي الراحل الدكتور عدنان درويش مدير التراث في وزارة الثقافة، والأستاذ التراثي الجليل عندما حدثني عن دراسته في مصر، فقال: درسنا طه حسين عميد الأدب العربي شيئاً من الشعر الحديث في سورية، ولم يذكر البدوي في محاضرته وعندما عاتبناه نحن السوريين على ذلك، قال لنا: البدوي لا يذكر مع الجمع، له محاضرة خاصة، سيبوا الجبال وحدها.. قال الدكتور درويش: إن هذه الإجابة أثلجت الصدور، وأظهرت مكانة البدوي ليس في سورية وحدها، بل على المستوى العربي، ومن ناقد من رتبة الدكتور طه حسين. واليوم يعود الجبل ليتمسك بأهداب شآمه التي أحبها، شآم الرمز التي تمتد من الرمش إلى الرمش، شآم التي لا تعني المدينة والمكان وحسب، بل تعني كل ما يعنيه الرمز من دون أي شعارات، ومن دون أي تصنّع في تمثيل التماسك والتعاضد، بل إن البدوي رأى الرمز له، ولكل من ضمته هذه الأرض.

الجلاء والقراءة
احتفى البدوي بالجلاء، وحين وقف مع الذكرى والتاريخ كانت وقفته وقفة محب منصف، وقفة رجل لا يحاسب الآخرين، ويترك ما عليهم، ليهتدي بما لهم، وهذه رؤية متقدمة للغاية، قلّ أن نجدها لدى شاعر آخر غير البدوي!
أيها الدنيا ارشفي من كأسنا
إن عطر الشآم من عطر السماء
آل مروان جلال وندى
وبنو العباس هدي وضياء
متصافين على نعمائه
ليس في الجنة إلا الأصفياء
سكب الله على أحقادهم
من نديّ الحب ما شاؤوا وشاء
حق يوم الشآم أن تكتبه
قدرة الله على وجه ذُكاء
ملك مروان لكم وحدكم
قد جلا الإيمان كل الشركاء
الغد الميمون في الدنيا لكم
فاقتحم يا جيش واخفق يا لواء
هل أظهر من هذا الشعر وهذا المعنى وهذه العبر؟
وها هو يشكو العروبة عتباً وألماً في قصيدة من عيون شعره:
تهلهلت أمتي حتى غدت أمماً
وزوّر الوطن المسلوب أوطانا
وقد عرفت الرزايا وهي منجبة
فكيف لم تلد الجلى رزايانا
كفرت بالحسب السامي إلى مضر
استغفر المجد إنكاراً وكفرانا
وفي قصيدته «البلبل الغريب»التي قالها في أول غربة قسرية له نجد ذلك الوطني النبيل المنتمي الذي يفصل بين ما يعانيه شخصياً، وبين أمته ووطنه، وهذه القصيدة التي أهداها إلى حفيده محمد، فريدة في الشعر العربي قديمه وحديثه، فهي الوحيدة التي نستنجد بها عند كل حديث عن طفل وطفولة، ولم يُجد شاعر بمثلها عن الطفولة على لسان راعي الطفولة والمشرف عليها، وفي غربته يطلب السعادة من أجل الطفولة، ويصعب عليّ أن أختار منها، فللطفولة قال وأبدع:
ويا رب من أجل الطفولة وحدها
أفض بركات السلم شرقاً ومغربا
وردّ الأذى عن كل شعب وإن يكن
كفوراً وأحببه وإن كان مذنبا
وصن ضحكة الأطفال يا رب إنها
إذا غردت في موحش الرمل أعشبا
ويا رب حبب كل طفل فلا يرى
وإن لج في الإعنات وجهاً مقطبا
وهيئ له في كل قلب صبابة
وفي كل لقيا مرحباً ثم مرحبا
البدوي إنساني، لم يدع لدين أو قومية أو مذهب أو طائفة، بل خصّ الجاحد والكفور بطلب الغفران له، وهو على يقين بأنه مذنب، ولم تكن هذه القصيدة مستحقة إلا بروح الشاعر الإنسانية الفياضة تجاه كل الناس والأمم والشعوب… ومن هنا تأتي أهمية هذا الشعر وأهمية عودته إلى أهله الذين نبتت منهم روح الشاعر الهائمة في عوالم الله لا عوالم الإنسان، روح الشاعر القائمة على الحب وحده لبني الإنسان.
وفيها تتجلى روحه المتسامحة النبيلة، فهو المغترب المبعد، لم يجأر إلى الله بدعاء على الآخر، ولم يدع إلى انتقام، ولم يستعد أحداً على أبناء قومه! وكلما قرأت هذه القصيدة، وغالباً ما أفعل أقف عند الروح السامية المترفعة التي لا ترى نفسها محور الكون، مع أن شاعراً كالبدوي يحق له أن يفعل.
ولي وطن أكبرته عن ملامة
وأغليه أن يدعى- على الذنب- مذنبا
ومن حقه أن أحمل الجرح راضياً
ومن حقه أن لا ألوم وأعتبا
يمزق قلبي البعد عمن أحبهم
ولكن رأيت الذلّ أخشن مركبا
وأستعطف التاريخ ضناً بأمتي
ليمحو ما أجزى به لا ليكتبا
ويا رب عز من أمية لا انطوى
ويا رب نور وهج الشرق لا خبا
وأعشق برق الشام إن كان ممطراً
حنوناً بسقياه وإن كان خلبا
ويسرح في أرض سورية محباً وذاكراً ومسترجعاً مجد المدائن في كل مكان اشتاقه في غربته:
سقى الله عند اللاذقية شاطئاً
مراحاً لأحلامي ومغنى وملعبا
وجاد ثرى الشهباء عطراً كأنه
على القبر من قلبي أريق وذوبا
وحيا فلم يخطئ حماة غمامه
وزفّ لحمص العيش ريان طيبا
ونضّر في حوران سهلاً وشاهقاً
وباكر بالنعمى غنياً ومتربا
وجلجل في أرض الجزيرة صيب
يزاحم في السقيا وفي الحسن صيبا
ليختم:
دياري وأهلي بارك الله فيهما
وردّ الرياح الهوج أحنى من الصبا
وأقسم أني ما سألت بحبها
جزاء ولا أغليت جاهاً ومنصبا
ولا كان قلبي منزل الحقد والأذى
فإني رأيت الحقد خزيان متعبا
البلبل الغريب، وعودة الغريب وحدهما قافلة من شعراء ووطن وحب وتفان، وحدهما قصيدتان تصنعان عصراً من الشعر والأدب، فبشعر من النسق الأعلى يمتعنا البدوي شعراً ووزناً وقافية، ويعلمنا كيف نحب أوطاننا، وكيف نجلّ تاريخنا، وكيف ننتمي إليه لأنه أسمى وأكبر وأعلى، وأجد صدور الديوان بدمشق فرصة لاستنباط هذه الروح التي افتقدناه نحن أحفاد البدوي، ولم نصل إلى ذلك المستوى من الانتماء والحس الوطني، فكيف عاد الغريب الكبير، وكيف قابل شآمه؟
هل عاتب؟ هل حاور؟ هل انتقد؟ هل انتقم؟
حلفت بالشام هذا القلب ما همدا
عندي بقايا من الجمر الذي اتقدا
لثمت فيها الأديم السمح فالتهبت
مراشف الحور من حصبائها حسدا
تفرد الله بالأرواح يبدعها
من سره لم يشارك غيبه أحدا
وميز الشام بالنعمى ودللها
فمن ثرى الشام صاغ الروح والجسدا
وجه الشآم الذي رفت بشاشته
من النعيم لغير الله ما سجدا
أنحى على الشام أريافاً وحاضرة
فلم يدع سيداً فيها ولا لبدا
دع الشآم فجيش الله حارسها
من يقحم الغاب يلق الضيغم الحردا
ضمتني الشام بعد النأي حانية
كالأم تحضن بعد الفرقة الولدا
أنا الوفي وتأبى الغر من شيمي
كفران نعمة من أسدى إلي يدا
إنه يعلمنا الحب
إنه الشعر مبنىً ومعنى
لا يلزمنا اليوم شعر يهتم بالشكل ومضمونه لا قيمة له، ولا يلزمنا شعر غني لا شكل له بل يلزمنا ذلك الشعر الذي يعيد إلينا الحب، ويبعد عنّا الحقد الذي استشرى، وهذه المعاني لم ترد في ديوان البدوي لزوم قافية وشعر وزمان ومكان، بل كان الحب عقيدة له، يسعى له بإصرار.
وتشقى على الحقد النفوس كما انطوت
قلوب على جمر الغضا وحلوم
ولم يدر نعماء الكرى جفن حاقد
وهل قرّ عيناً بالرقاد سليم
ويزعم أن الحقد يبدع نعمة
وهيهات من نعمى البنين عقيم
وما بنيت إلا على الحب أمة
ولا عزّ إلا بالحنان زعيم
ولا فوق نعماء المحبة جنة
ولا فوق أحقاد النفوس جحيم
هو الحب حتى يكرم العُدمَ موسرٌ
ويأس لأحزان الغني عديم
ويا رب إن سبّحتُ والشام قبلتي
فأنت غفور للذنوب رحيم
تهلل عفو الله للذنب عندما
أطل عليه الذنب وهو وسيم
إنه الحب الذي دفع البدوي حياته له، عاش له ومات فيه، كان وزيراً وبرلمانياً وسياسياً، وعاد شاعراً وإنساناً محلقاً، وكذلك صديقه وعشيره عبد السلام العجيلي عاش وزيراً وبرلمانياً وسياسياً، وعاد إنساناً وقاصاً وكاتباً، ذرعا شوارع دمشق معاً، تاها على الدنيا بالحب، وبالحب وحده، فما تغيرت حياة أحدهما، وبقي لصيقاً بالناس والحب، عاد أحدهما إلى الناس، فلم يحنث، ولم يتغير، وبقي داعية للحب والوطن حتى ضمه ثراه، فكانا صدقاً وحباً كلمة وحياة.
إن إعادة نشر ديوان البدوي هي دعوة للحب الحقيقي، ودعوة للانتماء إلى الوطن والإنسان، وهي مناسبة لطبع كمية لائقة بالشاعر، وإن كانت بورق عادي وغلاف عادي، فأنا أزعم أن تعطش السوق والأدباء والشباب لشعر البدوي لن يروي عطشه ألف أو آلاف النسخ، فحبذا أن تطبع كميات كافية لا تضطر لإعادته بعد مدة وجيزة، وقد لا تسمح الظروف بذلك، وخاصة أن التوجيه بإعادة طبع الديوان يسمح بأن يكون هذا الديوان موجوداً متوافراً بما يغني عن التصوير والتزوير.

أهلاً بالبدوي
إن فرحتي بشعر البدوي بطبعته السورية الكاملة غير محدودة، وأنا ممن عاشروا هذا الشعر وحفظوه ودرسوه ودرّسوه لأنني كلما بحثت عن قصيدة حب وانتماء كان ديوان البدوي الهادي والمسار والغاية، وكما قامت وزارة الإعلام بطبع ديوان نديم محمد بطبعة لائقة عزيزة، تقوم اليوم وزارة الثقافة بطبع ديوان البدوي وحبذا لو أعيد شعر نديم محمد ليكون بين أيدي الدارسين كذلك.
كلما جلست إلى صديقي محمد الأحمد حفيد الشاعر حدثني عن وداع دمشق للبدوي وجثمانه في رحلته الأخيرة وعيناه تذرفان دمعاً لذلك المشهد الحميمي الذي قابل الحب بالحب، ولعلي لا أبالغ إن قلت: ها هي الشام تسترد بدوي الجبل على صفحات ديوانه فتحقق بذلك حلماً ينعش تربته وروحه التي لا يطولها الفناء، وهو الذي أدرك ذلك وسجله:
الخالدان- ولا أعد الشمس- شعري والزمان
أهلاً بروحك وشعرك وخلودك بدوي الجبل وشكراً لروح الحب الذي أشعتها في عالم مليء بالشتم والغمز والانتقاص وأشباه الشعراء.
وقفت مبتهجاً بالديوان عند شعر الوطن والحب، أما سماواته الأخرى فلها أحاديث أخرى وقراءات عميقة، واخترت ما رأيته ملحّاً لصدور الديوان في هذه الآونة التي يلزمنا فيها شعراء الحب والانتماء للوطن.

عدد القراءات : 9399

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245703
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020