الأخبار |
ترامب يخفف عقوبة روجر ستون المدان بالكذب على الكونغرس  ولاية كاليفورنيا الأمريكية تفرج عن 8 آلاف سجين في إطار مكافحة كورونا  أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  بكين ترفض المشاركة... وواشنطن تهدّد بالانسحاب: معاهدة «نيو ستارت» تلفظ أنفاسها  قصة عمرها 15 قرناً… آيا صوفيا هويّتان دينيّتان ومصير مُتنازع عليه  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  كوكب بحجم الأرض يدور حول أقرب نجم يثير فضول العلماء  المحكمة الخاصة بلبنان تحدد موعد النطق بالحكم في جريمة اغتيال الحريري  يدخلن حوامل ويخرجن على محفات الموت.. ماذا يحدث في مشفى التوليد “التخصصي” بدمشق!؟  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  فيتو مزدوج روسي صيني ضد مشروع قرار يتيح تمديد آلية إدخال مساعدات إلى سورية دون التنسيق مع حكومتها  إلزام العائدين بتصريف 100$: نحو إقرار استثناءات؟  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  تفكيك مفهوم العظَمة الأمريكية.. بقلم: د. نسيم الخوري  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  صناعة الموت في اليمن.. بريطانيا والسعوديّة في خندق واحد  هل نحن على أعتاب “القرن الآسيوي” وأفول “الأمريكي”.. “كورونا” غير شكل العالم     

تحليل وآراء

2019-03-13 03:47:39  |  الأرشيف

خفايا واشنطن الاستثمارية في جغرافية الباغوز الضيقة.. بقلم: محمد نادر العمري

للمرة الثالثة على التوالي تعلن ميليشيات «قوات سورية الديمقراطية – قسد» عودة التصعيد الناري والعسكري في بلدة الباغوز الواقعة بريف دير الزور الشرقي من الجغرافية السورية، حيث تصب هذه الميليشيات ومن خلفها الولايات المتحدة الأميركية وما يسمى «التحالف الدولي» جام غضبها وكامل جهودها وبمختلف أشكال الأسلحة حتى المحرمة دولياً كالفوسفور الأبيض للمسارعة في تحقيق هذا «النصر المؤجل» ضد تنظيم داعش الموجود في إطار لا يتعدى نصف كم2.
هذا النصر الذي تسارع إليه إدارة البيت الأبيض في واشنطن، تشوبه الكثير من الضبابية كما هو إعلان قرار الانسحاب، ويثير علامات استفهام من جوانب عدة وخاصة حول الصفقة التي أبرمت مع داعش ومصير القادة هناك وفي مقدمتهم أبو بكر البغدادي والصف الأول من قياديي التنظيم، والتوقيت الزمني الطويل الذي شهدته هذه المعركة، فضلاً عن أهدافها في إحداث تغير ديموغرافي لمصلحة «قسد» وتوسيع نفوذها أكثر في ظل التراجع الأميركي الواضح عن قرار الانسحاب.
فعودة النار لخط جبهة الباغوز يراهن عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنح نفسه النصر الكامل على «دولة الخلافة» وفق وصفه، بعدما عجز عن الإيفاء بوعوده المتكررة بإعلان هذا النصر في أكثر من مناسبة واستحقاق، الأمر الذي يشير إلى تمكن تيار من بعض صقور الإدارة الأميركية بالتدخل والتحكم بمسار معالم السياسة الخارجية في التعامل مع الأزمة السورية من خلال إعادة التموضع والانتشار وفق تعبير المبعوث الأميركي إلى الشرق الأدنى دايفيد ساترفيليد، وإدارة معركة الباغوز وما تحويه من خفايا لا يمكن وصفها بالطبيعية أو العادية، وفق وجهة نظر شخصية، لتحديد هذه المعالم وهذا التوجه باستثمار الإرهاب مجدداً لتحقيق أجندات سياسية أو كأداة في الحرب الناعمة انطلاقاً من هذه الرقعة الجغرافية الضيقة، ومقابلة مستشار الأمن القومي الأميركي مع شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية، التي أكد فيها أن الرئيس ترامب «لم يقل أبداً أن القضاء على داعش إقليميا يعني نهايته بالكامل» مضيفاً إن داعش يتنامى في أنحاء أخرى من العالم، هو خير دليل على ذلك. وضمن هذا التوجه لابد من الوقوف عند النقاط والملاحظات الآتية:
1- تأخر حسم المعركة يصب في التوجه الذي يرسمه تيار جون بولتون ومايك بامبيو إضافة للفريق المكلف متابعة الملف السوري الذي يترأسه المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية جيمس جيفري، وهذا التوجه يهدف إلى إيجاد حل وسطي بين قرار ترامب بالانسحاب من سورية لإرضاء القاعدة الشعبية قبل عام ونصف من بدء الانتخابات الرئاسية التي يطمح للفوز بها للمرة الثانية ومؤسسات الدولة العميقة وجماعات الضغط الداعية للحفاظ على إبقاء النفوذ الأميركي بالمنطقة من خلال إعادة التموضع والانتشار للقوات الأميركية. لذلك لا يمكن فك الارتباط بين الأحداث المتعلقة بين تراجع ترامب عن قرار الانسحاب من سورية وإعلانه إبقاء 400 عنصر من قواته عما يحصل من إيجاد ممرات آمنة على الحدود السورية العراقية لإرهابيي داعش الذين خرجوا من منطقة الباغوز، ولخدمة هذا التوجه استخدمت واشنطن عدة طرق وأساليب لإخراج هؤلاء بما في ذلك توظيف مخيم الركبان لدمج الإرهابيين مع المدنيين وجعل محيطي الهول والركبان عبارة عن صناديق مفتوحة بين شرق العراق وغرب سورية لنقل الإرهابيين، لذلك تصر واشنطن بشكل خاص على رفض حل مخيم الركبان لأنه يشكل نقطة وصل جغرافية بين العراق وسورية وإيجاد ممرات آمنة لانتقال هؤلاء على الحدود وبغطاء أميركي من قاعدتي التنف والأسدي.
2- الملاحظ خلال الفترة السابقة هو نقل المسلحين والعناصر الداعشية من غير القياديين وذات الجنسيات الأجنبية، وبعضهم يعاني إصابات جسدية باتجاه العراق تزامناً مع ارتفاع أصوات وصراخ المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة أو المرتبطة بها والتي ترفع شعارات إنسانية وفي مقدمتها «هيومن رايتس ووتش» للمحافظة على حياة هؤلاء وعدم محاكمتهم بالإعدام بالتوازي مع رفض الدول التي ينتمون إليها وبخاصة الأوروبية مثل فرنسا وبريطانيا لاستقبالهم. وهذا يمكن تفسيره أو تحليله ضمن مسارات عدة، يتمثل أولها برغبة واشنطن بتعميق هوة الشرخ بين الفرقاء السياسيين في العراق وإغراق هذه النخب بالخلافات الداخلية لتعميق الأزمات التي تواجه حكومة عادل عبد المهدي، ثانياً زيادة الضغط المادي والأمني على العراق، عبر تحمل بغداد نفقات علاج هؤلاء وكذلك المحافظة عليهم وتحولهم في مرحلة لاحقة نتيجة عجزهم القتالي لقنابل موقوتة تهدد الأمن العراقي وتستهدف أمنه الوطني وفق ما ذكر موقع «ديبكا» الإسرائيلي، الذي أشار في تقرير له إلى أن واشنطن نقلت ما يقرب ألف عنصر داعشي للعراق بغرض استهداف القوات المسلحة التابعة لحركات المقاومة واستجلاب قوات أميركية من القواعد الأميركية في الخليج وبعض الدول الأوروبية وبصورة خاصة من رومانيا وبلغارية لحماية هذه العناصر في عملياتها على طول الحدود السورية العراقية، فضلاً عن اتخاذ الجغرافية العراقية إحدى نقاط انطلاق لاستهداف الأمن القومي الإيراني، كما حصل مؤخراً في استهداف حافلة تقل قوات من الحرس الثوري في مقاطعة سيستان بلوشستان، ترجمة لتهديد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان منذ عام ونصف العام تقريباً بنقل المعركة إلى العمق الإيراني، وجزء من هذا المشروع والمتعلق بزيادة القوات الأميركية كان في صلب زيارة مايك بامبيو للعراق مؤخراً.
3- من النقاط المهمة التي يجب عدم إغفالها، نقل الحوامل المرنة للإرهاب «النساء الداعشيات» اللواتي خرجن من الباغوز نحو مناطق آمنة، فالمتابع للتقارير ومقاطع الفيديو التي تبثها وكالات الأنباء الدولية ومواقع التواصل الاجتماعي يلاحظ خطورة هؤلاء في نقل أفكار داعش وغرسها في المناطق التي سيقيمون بها، فبينما تهدد إحداهن بالانتقام بقولها سننتقم وسيصل الدم إلى الركب تقول الأخرى خرجنا ولكن هناك فتوحات جديدة، وخطورة الداعشيات في هذا السياق تكمن في أن حركتهن في المرحلة اللاحقة تكون أسهل وأكثر مرونة، فهؤلاء أمهات لأطفال من المؤكد أنهن سيسارعن لتلقين أطفالهن الفكر الداعشي، فضلاً عن لعبهن دور المرشدات والمعلمات والملقنات للنساء الأخريات في المجتمعات التي سيقمن بها أو أن يتحولن لجهاديات إرهابية تمارسن الانتقام بعد قتل أزواجهن أو فقدان مصيرهم، أو انغلاق أفق الحياة أمامهن.
4- المتابع لمجريات المعارك منذ بدايتها في منطقة الباغوز يلاحظ أن التكتيك العسكري للولايات المتحدة الأميركية تضمن تطويق المنطقة وليس الاستهداف المباشر لمواقع تنظيم داعش، وهذا يعني أن واشنطن لم تكن تريد القضاء على هذا التنظيم بقدر ما كانت تبحث عن تحقيقه أهدافاً متعددة وتتمثل بــ:
– رغبة واشنطن في إخراج جميع عناصر التنظيم نحو مناطق أو رقع جغرافية أخرى وفرض أمر واقع على من يرفض منهم.
– محاولة إلقاء القبض على متزعم التنظيم البغدادي أو تصفيته، واستثمار ذلك ضمن نموذج متكرر عن مقتل أسامة بن لادن.
– رغبة الولايات المتحدة الأميركية في الاستيلاء أو الحفاظ على سرية بنك المعلومات التي بحوزة قادة التنظيم نظراً لما تحتويه هذه المعلومات من أمور حساسة تتعلق بالهيكلية والأهداف، لذلك حرصت واشنطن قبل التوجه لسياسة الأرض المحروقة على تأمين سلامة هذه المعلومات وأمنت الحماية لها، بالمقدار ذاته وربما أكثر من اهتمامها بالاستيلاء على أطنان الذهب والأموال التي بحوزة داعش.
الولايات المتحدة الأميركية التي تعتبر حتى يومنا هذا على قمة هرم النظام الدولي من حيث القوة العسكرية، هي لن تغامر بهذه السمعة عبثاً من دون مكاسب توظيفية لها تداعيات جيوسياسية على مستوى المنطقة سواء فيما يتعلق بالتموضع الأميركي في الشمال السوري وعلى طول الحدود مع العراق، أم بالاستمرار في توظيف الإرهاب كأحد الأدوات العابرة للحدود الجغرافية في الحروب الناعمة، فالباغوز هذه الرقعة الجغرافية الضيقة من الخريطة السورية هي مهددة اليوم لعملية تدمير ممنهجة ضمن سياسة الأرض المحروقة التي تمارسها واشنطن تجاه الجغرافية والمواطنين السوريين بعد تحقيق أهدافها، والرقة مازالت شاهدة وتنضح بمعالم التدمير التي من المؤكد ستطول الباغوز خلال الأيام القادمة.
 
عدد القراءات : 5650
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245753
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020