الأخبار |
أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هونغ كونغ تغلق جميع المدارس بسبب ارتفاع حالات الإصابة بـ"كورونا"  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  غاز المتوسط.. العملاق الصيني يدخل من بوابة قبرص  الأردن.. توقعات ببدء العام الدراسي في أغسطس المقبل  تجار في طرطوس يتاجرون بلحوم الأبقار النافقة بسبب وباء الجدري ويبيعونها للمواطنين  ارتفاع ضحايا كورونا إلى نحو 550 ألف وفاة وأكثر من 12 مليون مصاب حول العالم  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  المكسيك تسجل حصيلة يومية قياسية في إصابات كورونا  “كوفيد – 19” يقترب من مليونيته الثانية عشر.. الكمامة أفضل سبل الوقاية  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  وفاة عامل وإصابة اثنين جراء انهيار منزل في حي كرم القاطرجي بحلب  الرئيس الأسد يستقبل رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الايرانية اللواء محمد باقري والوفد المرافق له  صراع «السيادة» على سوق الطاقة: أسعار من ثلاثة أرقام صارت ماضياً بعيداً!  روسيا تتدخّل مجدّداً لمنع المواجهة المصرية ــ التركية     

تحليل وآراء

2019-06-30 05:47:51  |  الأرشيف

قمم واجتماعات الفشل.. عندما يحتضرُ التركي وحيداً.. بقلم: فراس عزيز ديب

الوطن
لو تسنى لنا اختيارَ عنوانٍ نلخصُ فيهِ ما حدثَ من اجتماعاتٍ ولقاءاتٍ وقممٍ دوليةٍ في الأسبوع المنصرِف، لكانت كلمةَ «فشل» هي الأقدر على جمعِ كل تناقضاتِ التصريحات والتوجهات والنيّات السياسية وغير السياسية.
فشلٌ له ركائزَ تختلف حسب نوعيةِ الاجتماع أو القمة التي يمكن نلخصها بعناوينَ ثلاثة:
أولاً: الرهان على أحصنةٍ من ورق
بعدَ ساعاتٍ قليلة من انتهاءِ مهزلة العاصمة البحرينية المنامة التي استضافت ما سمي «ورشة عملٍ» من أجل صفقة القرن، خرجَ وزير خارجيتها خالد بن أحمد آل خليفة بتصريحٍ يؤكد فيه دعمَ مشيختهِ لحق الشعب الفلسطيني بدولةٍ على حدود 67 عاصمتها القدس الشرقية، مؤكداً في الوقتِ ذاته أن «ورشةَ المنامة» ليست خطوة للتطبيع مع «إسرائيل».
اللافت أن تصريحات الوزير البحريني جاءت بعدَ أن أعطى حديثاً خاصاً لعدةِ وسائل إعلامٍ إسرائيلية تفاخرَ إعلاميوها بأنهم يصولون ويجولون في البحرين، هذا التناقض الذي يلامس حدَّ السذاجة في فهمِ معنى التطبيع مع العدو لا يعطينا صورة عن الفشل الذي عانت منه هذه الورشة في فرضِ أمرٍ واقع يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية ويجعل من الكيان الإسرائيلي مجردَ جارٍ فحسب، لكنه يعطينا أيضاً صورة عن نوعية المسؤولين العرب الذين راهنَ عليهم جاريد كوشنير للوصولِ إلى أهدافهِ، تلكَ الأهداف التي فشلت عبرَ عقودٍ من التحقق عندما تبناها «كبار القادة العرب»، فكيف لوزيرِ خارجيةِ مشيخته أن ينجح في ذلك؟
قد يقول البعض: إن الوقتَ الآن مختلف، فالعرب والفلسطينيون بأضعفِ حالاتهم لدرجةٍ تبدو معها صفقة القرن نتيجة منطقية للدمار الحاصل في المنطقة، قد نتفق جزئياً مع هذا الكلام تحديداً أن الكثير من منظري الخطاب العروبي مازالوا يستخدمون مصطلح «رفض الجماهير»، ولا ندري عن أي جماهيرٍ يتحدثون والمواطن العربي أساساً لم يعد بإمكانه التظاهر من أجل لقمةِ عيشهِ حتى يتظاهر من أجلِ إسقاط المشروعات الاستعمارية، لكن بالمطلق فإن سؤالهم لا يحتاج إلى جوابٍ، تحديداً أننا نشدد دائماً على فرضيةِ أن المنهزمين من الداخل لا يمكن لهم أبداً أن يشعروا بأي انتصار، فلو كانَ الحال كما يعتقدون لما اضطر هذا الغرب الذي يتوهم الانتصار للاعتمادِ على أحصنةٍ من ورق يرسمها بريشةِ الهوان والتبعية.
ثانياً: خارج الموافقة الرسمية السورية، فالقوات الأجنبية هي احتلال
لم يمنع تبادلَ الابتسامات وتشابكَ الأيدي فشلَ الاجتماع الأمني الذي انعقد في القدس المحتلة على مستوى مسؤولي الأمن القومي في كل من الولايات المتحدة وروسيا والكيان الصهيوني، هذا الاجتماع صحَّ فيهِ التوصيف الأغرب: أهميته تكمُن في فشله.
استسلمت الأطراف الثلاثة المشاركة بالاجتماع لتمسكها بلاءاتها، فلا الروسي تراجعَ عن ما يراه ضرورياً للمصالح الروسية والسورية من استثمارٍ في ورقة الوجود الإيراني في سورية، ولا جون بولتون استطاع أن يُقنع الروس بأن ترتيبَ العلاقة الأميركية الروسية ثمنها العلاقةَ بطهران، أما الإسرائيلي الذي مازال هناك من ينعتهُ بالمنتصر فتاهَ عملياً بين فكرتين متناقضتين.
في واقع الأمر فإن كل ما تم تسريبهُ عن الاجتماع صبَّ في مصلحةِ اللا توافق في الطروحات، فما قدمهُ الجانب الروسي هو تعهد استيعاب وإدارة للوجود الإيراني في سورية حتى يصل الجميع إلى لحظةٍ يكونون فيها مستعدين للانسحاب، أما الجانبان الأميركي والإسرائيلي فأصرا على فرضية أن الانسحاب الأميركي يلي الانسحاب الإيراني ويجب أن يتم بالتوازي مع تقدمٍ في العملية السياسية في سورية، بل الأدهى أن الجانب الأميركي طرح فكرةَ خروج القوات الأميركية من شرق الفرات لتحلّ مكانها قوات عربية تقبل بها ميليشيا «قوات سورية الديمقراطية – قسد»، وهو ما كان الوزير السعودي ثامر السبهان قد رتب جزءاً منه خلال الاجتماع الذي انعقد منتصفَ الشهر الجاري مع عددٍ من ممثلي العشائر العربية وممثلين عن الأحزاب الكردية في حقلِ العمر النفطي، أي إن الأميركي أرادَ مبادلةَ الوهمِ بالوهم.
طروحاتٌ بدت جميعها في مهبِّ الريح، فالجانب السوري كان ولا يزال يعتبر أن أي وجودٍ لقواتٍ أو فصائلَ أجنبية جاءت بطلب من الحكومةِ السورية بسبب الحرب على الإرهاب سينتهي بانتهاء أسباب وجوده، أما بقاءَ منطقةَ شرقي الفرات خارج السيطرة السورية بمعزلٍ عن نوع الحماية المقدمة لمن يديرون شؤونها هو عملياً التفاف على الأزمة وليس انهاءها وهو ما نقلهُ الروس وأدى إلى فشلِ الاجتماع، لكن انعكاسات هذا الفشل لم تبقَ ضمن إطارهِ فحسب بل انسحبت إلى ما هو أبعد.
ثالثاً: قمة أوساكا.. عندما تطغى المجاملات على الفشل الدبلوماسي
انتهت قمة العشرين كما كل القمم الموازية بين مجاملاتٍ وتصريحاتٍ دبلوماسية لا تُسمن ولا تغني من جوع، حتى اللقاء المنتظر بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب مرّ مرور الكرام، بعكسِ ما كانت عليه باقي الاجتماعات التي كانت تُعقد على هامشِ القمم الكبرى بين الرئيسين والتي كانت تحظى بضجةٍ كبيرة.
إن الاجتماع لم يأتِ بالجديد، وما تلاهُ من كلامٍ لكلا الرئيسين كان في العموميات إن كان لجهة استمرار التواصل لحل «الأزمة السورية» أو ما حُكي عن طلب ترامب من بوتين «تخفيف الحملة على إدلب» بدوا وكأنهما انعكاس لفشل الاجتماع الأمني في القدس، تحديداً أن هناك من أفرطَ بالتفاؤل وتجاهل تفصيلة مهمة جداً تتعلق بوضعية الرئيس الأميركي وبمعنى آخر:
حتى لو كان دونالد ترامب قرر التراجع في الكثير من الملفات فإن وقت التراجع يجب أن يكون مدروساً بعناية، فمن السذاجة الاعتقاد بأنه سيقدم تنازلاتٍ للروس في هذا الوقت، فالرجل دخلَ عملياً معركةَ الانتخابات وهو يريد ضمان ولاية ثانية ما زال الأقرب إليها من باقي المرشحين المحتملين.
هذه الفرضية تجلت بالأمس خلالَ حديثهِ العام الذي بدا تصالحياً لكنه لم يشهد تراجعات، باستثناء موضوع العقوبات على هواوي الصينية التي تدخل في سياق المفاوضات التجارية مع المنافس الأكبر لا أكثر، لقد وصلَ به الحد للمصالحة مع رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان، واللافت اتهامه للإدارات السابقة بإساءة التعاطي معه، ونسي أن إدارة الرئيس باراك أوباما باركت «الإسلام السياسي» في المنطقة بكل تجلياتهِ من بينها النظام التركي الذي كان الذراع الأولى لما يريده الديمقراطيون من الحرب الناعمة.
لهجةٌ جعلت رأسَ النظام التركي يرد بطريقةِ المنتصر، فهو مثلاً أكد عدم معارضة الولايات المتحدة لشراء تركيا بطاريات دفاع جوي «إس 400» من روسيا، وفي الوقت ذاته أكدَ أن الولايات المتحدة ماضية لتسليم تركيا طائرات «إف 35».
بكل تأكيد فإن أردوغان يعي تماماً قدراته على اختلاق الأكاذيب واللعب على الألفاظ، لكنه بهذه المرحلة بالذات بدا وكأنهُ بحاجةٍ إلى إتقانِ لعبة تبادل الطرابيش ليستطيع إكمال استثماره بالفشل وبمعنى آخر: يستطيع التركي أن يقول ما يشاء، لكن هذه الأريحية لا يمكن لها أن تكونَ ستاراً للهزائم التي تلقاها، بل إن هذه الهزائم تبدو عملياً الدافع الأساسي والمحرك الأساسي للهروب للأمام فكيف ذلك؟
مهما حاول البعض التقليلَ من الصفعةِ التي تلقاها حزب «العدالة والإرهاب الإخواني» بنجاحِ مرشح المعارضة في انتخابات الإعادة لبلدية إسطنبول فهو بالنهاية سقوط كبير لأردوغان، بمعزل إن كان الطرف المنتصر بالنهاية يمثل التطرف القومي التركي الذي لا يفرِق بالنهاية عن التطرف الإخونجي الذي يمثلهُ أردوغان، لكن إمكانية الوصول معهُ إلى أرضيةٍ مشتركة تبقى واردة وليست معدومة.
هذه الصفعة أراد النظام التركي أن ينهي مفاعيلها داخلياً بأسرع وقت، فكان الحل بإعادةِ شد العصب الشعبي حول الجيش التركي والتحرش بالجيش العربي السوري للاستثمار بالرد والرد المقابل ونقلَ المعركة إلى خارج الحدود ووضع الجميع بمن فيهم المنتشون بتحقيق الفوز أمام التزاماتهم.
هذا الأسلوب ليس بجديدٍ على الطغمة الأردوغانية الحاكمة، فقبلها استخدموا سلاح الترهيب بالعمليات الإرهابية في المناطق الكردية قبل الاستحقاقات الانتخابية لتخييرهم بينه وبين الفوضى، أما عن اللعب بالمتناقضات فقد ورطَ أردوغان أكراد تركيا بالوقوف على الحياد في الانتخابات الأخيرة بطلبٍ من الإرهابي عبد اللـه أوجلان، بذريعةِ أن الحزب الذي يمثلهُ مرشح المعارضة يريد حل القضية الكردية بالنار لا بالتصالح، فماذا ينتظرنا؟
لا تنتظروا من الاجتماعات والقمم أن تحل المشكلات أو تنقل صكَّ ملكية الأراضي أو تنهي قضيةَ شعبٍ عادلة، لكن بكل تأكيد قد ننتظر من المترنحين أن يتعاطوا من مبدأ، «من بعدي ليكن الطوفان»، فالقضية ليست بخسارة في انتخابات، بل القضية هي في الحبل الذي يضيق كلما طالت الحرب السورية، فهل يهرب من كل هذا نحو مواجهةٍ مع الجيش العربي السوري؟
ربما هو الخيار الأقرب للأفعى التي تتلقى ضربتين على الرأس.
عدد القراءات : 5903

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245721
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020