الأخبار |
الاستفتاء ينتصر لبوتين: الغرب منزعج  الصحة: تسجيل 19 إصابة جديدة بفيروس كورونا وشفاء 3 حالات  الخارجية الايرانية: قبل 32 سنة أسقطت اميركا عمدا طائرة ركابنا ولحد الآن لم تعتذر  شكراً (كورونا )؟!!…بقلم: خالد الشويكي  الترهل يطال غرفة تجارة دمشق.. عضوية مجلس إدارتها أضحت أشبه ما تكون فخرية!  العقوبات الاقتصادية نعمة وليست نقمة..وفي تجارب الآخرين ما يؤكّد ..؟؟  روسيا تبدأ بتصدير الأدوية لعلاج كورونا  تستمر حتى الأحد… كتلة هوائية حارة تؤثر على البلاد وتحذير من التعرض المباشر لأشعة الشمس  ارتفاع عدد القتلى نتيجة الانهيار الأرضي في ميانمار إلى 162  “التجارة الداخلية”.. هل تشبع الناس كلاماً أم طحيناً؟!  مالي.. مقتل 32 مدنيا على أيدي مسلحين مجهولين  تركيا.. العبء الأكبر على الناتو.. بقلم: د. أيمن سمير  أسعار قطع غيار السيارات تحلق.. الإطارات بـ280 ألف ليرة والبطارية بـ150 ألف!  الرئيس الأسد يترأس اجتماعاً للقيادة المركزية لحزب البعث العربي الاشتراكي.. تجربة الاستئناس الحزبي نجحت في خلق حراك وحوارات على المستوى الوطني العام⁩⁩  التجارة الداخلية تحدد سعر كيلو السكر عبر البطاقة الالكترونية بـ 500 ليرة والرز بـ 600  إصابات كورونا ترتفع حول العالم.. هل يبصر اللقاح النور قبل نهاية العام؟  إطلاق نار في ولاية كاليفورنيا الأمريكية وأنباء عن 4 جرحى!  كيف تفكر كصحافي؟.. بقلم: عائشة سلطان  ما الذي تريده أميركا من المنطقة والعالم؟.. بقلم: محمـد ح. الحاج  أرقام مخيفة… كيف تبدو الحرب بين أمريكا والصين     

تحليل وآراء

2019-07-07 03:01:20  |  الأرشيف

كفى متاجرة بمعاناة السوريين.. ناقلة نفطٍ أم صندوقُ رسائل؟

فراس عزيز ديب-الوطن
في وقتٍ تجوب فيهِ السفُن الإيرانية العالمَ لنقلِ النفط إلى الشعب السوري فإن مصر تقوم بمنعهِ عنهم. عبارةٌ غزت العالم الأزرق في اليومينِ الماضيين فكانت أشبهَ بالجملةِ المفتاح لأغلبية من يدورون في الُفلك الإيراني وتعاطوا مع خبرِ احتجاز سلطات جبل طارق لناقلةِ النفط الإيرانية «غريس 1» في المياه الدولية. بمعزلٍ عن مدى مصداقيةِ هذهِ العبارة فهي وإن نجحت بإعادة تذكير الشعب السوري بتبرعِ النظام المصري بشكلٍ مباشرٍ أو غيرَ مباشر ليكون رأسَ حربةٍ في تطبيق العقوبات الأميركية والأوروبية والعربية عليهِ، لكنها في الوقت ذاته بدَت وكأنها نوع من الاصطيادِ في الماءِ العكر.
بالتأكيد القضية هنا ليست تبرئة لنظامِ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صاحب نظرية «أمن المواطن الإسرائيلي من أمنِ المواطن المصري»، وليست اتهاماً لإيران التي تتعرض فعلياً لأحد أقسى أنواع البلطجة الدولية بمعزلٍ عن الأسباب التي أوصلتها إلى ذلك، لكنها بالنهاية مجردَ نظرةٍ واقعيةٍ للأمور هدفها بالدرجةِ الأولى منعَ كل الأطراف من المتاجرةِ بمعاناةِ السوريين بما فيها مشكلاتهم الاقتصادية، لتتحولَ أوجاعنا إلى جسرٍ يتبارى عليهِ من يظنونَ أنهم حريصون على المواطن السوري، وفي الحقيقة هم جميعاً جزء من المشكلة.
في الوقائع، وحتى كتابةِ هذهِ السطور فلا شيءَ يُثبت أن وجهةَ ناقلة النفط «غريس 1» كانت إلى سورية، حتى بيان سلطات جبل طارق المحلية تحدثت عن «اشتباهٍ» بتوجهها إلى ميناءِ بانياس، لكنه بالنهاية يبدو كلاماً للاستثمارِ السياسي لا يختلف عن أي استثمارٍ للحربِ على سورية، كتصريحات المسؤولين في لبنان والأردن مثلاً عن ربط مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية بالنازحين السوريين، وعليه فإن قضيةَ هذه الناقلة تجعلنا نظرياً أمام احتمالينِ اثنين:
الاحتمال الأول: إن الناقلة كانت في المياهِ الدولية بهدفِ التجارة بالنفط لا أكثر ولا أقل، وهو أمر رائج حيث يتم تفريغ الحمولات في سفنٍ أصغر قرب سواحل دولٍ بعينها ترغب في شراء النفط الإيراني.
هذا الاحتمال تدعمهُ الكمية الكبيرة التي تحملها الناقلة العملاقة والتي تتيح لها الوصول إلى أكبر عددٍ من الزبائنِ المحتملين، إذا ما أخذنا بالحسبان مسار العبور الطويل الذي سلكتهُ والذي استغرق عدة أشهر عبرَ رأس الرجاء الصالح، وإن كانت هناك تقارير تحدثت أيضاً عن نوعية الحمولة التي تحملها الناقلة والتي لا تبدو سورية بوضعِها الحالي بحاجةٍ إليها.
أما الحديث عن تعذر خيار قناة السويس إما بسبب ضخامةِ الناقلة، وإما بسببِ منع سلطات قناة السويس للنفط الإيراني من العبور فالتبريرات تبدو مُستَهلكة وبمعنى آخر:
لا تبدو ضخامة الناقلة سبباً، فلو كانت وجهتها الحقيقية سورية لجرى توزيعَ الحمولة على ناقلتين أصغر، أما بما يتعلق بقرارات إدارة قناة السويس فهناك معلومات على أن ناقلات تحمل النفط الإيراني قد عبرت القناة ولم يمنعها أحد!
في سياقٍ آخر فإن البلطجة الغربية ليست مبررة في المياهِ الدولية حتى لو كانت الوجهة سورية، فذريعة العقوبات على سورية ساقطة لأنها عقوبات من جهةٍ واحدة وليست عقوبات من مجلس الأمن، أما بما يتعلق بالعقوبات الأوروبية فإن السلطات الإسبانية حتى الآن تبدو بعيدة عما حصل والذي يشكل انتهاكاً لسيادتها، كما أن الحديث عن العقوبات يبدو بسياقين متضادين، فهل المقصود هو العقوبات الاقتصادية على سورية؟ هذا الأمر يمنع التبادل التجاري بين دول الاتحاد الأوروبي والجهات الرسمية السورية تحديداً أن بريطانيا ليست ضمن الاتحاد الأوروبي. أما إن كان المقصود العقوبات على إيران فإن الاتحاد الأوروبي اليوم لا يطبق عليها أي عقوباتٍ فجميعها أُزيلت بعد توقيع الاتفاق النووي بل على العكس هناك شركات أوروبية نشطت في إيران بمجال الطاقة من بينها توتال الفرنسية قبلَ أن توقف نشاطها بعد العقوبات الأميركية الأخيرة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وليسَ الأوروبية.
الاحتمال الثاني: ليست بناقلةِ نفط بقدرِ ما هي ناقلة رسائل
في الوقت الذي انتظر فيهِ الجميع ردَّ الفعل الروسي على هذهِ الحادثة، كان هناك العديد من وسائل الإعلام الغربية تُعيد تشكيلَ أكاذيبها بصورةٍ متجددةٍ حول ما تسميهِ توتراً أمنياً بين كل من القوات الروسية وما تسميها «الميليشيا الإيرانية» في شرق الفرات، أكاذيب اعتادوا على سوقها بشكلٍ متزامنٍ مع أحداثٍ تتطلب دعم أحد الطرفين الروسي أو الإيراني للآخر.
لكن الموقف الرسمي الروسي من حادث احتجاز ناقلة النفط لم يتأخر، حينَ أكدت وزارة الخارجية الروسية في بيانٍ لها إدانتها للحادثة محملةً المسؤولية ولو ضمنياً للولايات المتحدة الأميركية، بدا البيان الروسي محبوكاً بطريقةٍ واعية تحديداً أن جوهرهُ تلخص بما هو أهم: وضعَ الأوروبيين أمام مسؤولياتهم بما يتعلق بالتزامِهم بالاتفاق النووي مع إيران فكيف ذلك؟
لا يخفي الروس أبداً نظرتَهم الساخرة للحالِ التي وصلَ إليها الأوروبيون من التبعيةِ العمياء للولايات المتحدة الأميركية، تحديداً بما يتعلق بتردّدهم الدائم من أخذِ موقفٍ حازمٍ تجاهَ انقلاب الإدارة الترامبية على الاتفاق النووي الموقَّع مع إيران، لكن في الوقت ذاته فإن الروس لا يخفونَ أيضاً رغبتهم في محافظِة جميع الأطراف بما فيهم إيران على الاتفاق.
لا يبدو أن الحرص الروسي ينطلق من فرضيةِ السعي للحفاظ على نقاط السلم والأمن الدوليين فحسب، هذا الحرص مردّهُ بالأساس أن إيران لم توقع الاتفاق مع الولايات المتحدة فقط، لكنها وقعتهُ مع أطراف متعددة بما فيهم الروسي، أي إن على الإيرانيين أيضاً عدمَ الانزلاق ولو مؤقتاً للبدءِ بالانسحاب الجزئي من الاتفاق النووي إن كان برفعِ مستويات التخصيب أو ما شابه، على هذا الأساس تصبح قضية الناقلة أشبه بفخٍّ أرادَ الروس والإيرانيون وضع الأوروبيين فيه أمام التزاماتهم إما البقاء وإما الانسحاب قبل موعد اليوم الأحد السابع من تموز الذي حددتهُ إيران لرفع مستويات التخصيب كمؤشرٍ إلى الانسحاب الجزئي من الاتفاق النووي فماذا ينتظرنا؟
من الواضِح نظرياً أن الاتفاق النووي مع إيران لا يسقط جزئياً بل يسقط كتلة واحدة بمعزلٍ عن مدى تراجع أي طرفٍ عن التزاماته، وعليه قد يبدو موعد السابع من تموز مفصلياً بتحديدِ مستقبل الاتفاق، لكن الواقع يشير ببساطة إلى أن الجميع بات يتعاطى من مبدأ أن الاتفاق بات من الماضي، هذا التعاطي يبدو كجزءٍ من لعبةِ خلط الأوراق الدولية التي تجعل من الملفات كتلة متماسكة وبمعنى آخر: يبدو الإيراني اليوم أكثر ارتياحاً، حتى لو عاد الملف النووي إلى مجلس الأمن فإنه بالتأكيد قد حصلَ على ضماناتٍ روسية صينية بأن العودة إلى سياسةِ فرض العقوبات عبر مجلس الأمن كما كانت الحال عليها قبل توقيع الاتفاق من المستحيل والفيتو الروسي أو الصيني سيكون حاضراً، لكنه في هذه الحالة سيخسر فقط الكتلة الأوروبية التي بالأساس تبدو عاجزة، مع وجود إمكانية كبيرة لتعويضها بشركاتٍ صينية وروسية ومنها من بدأ فعلياً بخلافة تركة توتال الفرنسية، لتصبح الكرة بملعب المدافعين عن الاتفاق النووي من ضمن الإدارة الإيرانية ومنهم من كانوا يصرّون على التعامي عن حقيقة أن من يسمونه بأدبياتهم «الشيطان الأكبر» لا أمان لهُ ولا لشياطينهِ الصغيرة عندها يصبح السؤال: أهي ناقلة نفط أم ناقلة رسائلٍ؟ هامشياً لأنها كانت فعلياً مجردَ ناقلة نفطٍ لا أكثر لكن ما سينتج عنها أكثر من مجردِ رسائل.
لا تنتظروا قيام إيران برد فعلٍ معاكس ولا تنتظروا حرباً أميركية بات من يتوقعونها أشبهَ بـ«الأراجوز»، كل ما سننتظره هو المزيد من المتاجرة بالحرب على سورية، باختصار لن يطول الوقت حتى يبان لنا النفط الأبيض من النفط الأسود!
عدد القراءات : 5592

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245542
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020