الأخبار |
ترامب يخفف عقوبة روجر ستون المدان بالكذب على الكونغرس  ولاية كاليفورنيا الأمريكية تفرج عن 8 آلاف سجين في إطار مكافحة كورونا  أمريكا تسجل أكثر من 55 ألف إصابة بكورونا لليوم الثالث على التوالي  بيونغ يانغ: لا يمكننا أن نتخلص من النووي  هل ستضمن منظومة باتريوت أمن أمريكا في العراق؟  بكين ترفض المشاركة... وواشنطن تهدّد بالانسحاب: معاهدة «نيو ستارت» تلفظ أنفاسها  قصة عمرها 15 قرناً… آيا صوفيا هويّتان دينيّتان ومصير مُتنازع عليه  البنتاغون: علاقتنا وثيقة مع "قسد" ونحن على اطلاع بلقاءاتهم مع مسؤولين روس  كوكب بحجم الأرض يدور حول أقرب نجم يثير فضول العلماء  المحكمة الخاصة بلبنان تحدد موعد النطق بالحكم في جريمة اغتيال الحريري  يدخلن حوامل ويخرجن على محفات الموت.. ماذا يحدث في مشفى التوليد “التخصصي” بدمشق!؟  تقرير أمريكي: الإمارات عرقلت الأسبوع الماضي اتفاقا ينهي الأزمة الخليجية مع قطر  الصحة: تسجيل 22 إصابة جديدة بفيروس كورونا ووفاة حالتين  فيتو مزدوج روسي صيني ضد مشروع قرار يتيح تمديد آلية إدخال مساعدات إلى سورية دون التنسيق مع حكومتها  إلزام العائدين بتصريف 100$: نحو إقرار استثناءات؟  البرلماني السينمائي!!.. بقلم: وصال سلوم  تفكيك مفهوم العظَمة الأمريكية.. بقلم: د. نسيم الخوري  المحكمة الأوربية ترفض دعوى رجل أعمال سوري لرفع اسمه من قائمة العقوبات.. من يكون؟  صناعة الموت في اليمن.. بريطانيا والسعوديّة في خندق واحد  هل نحن على أعتاب “القرن الآسيوي” وأفول “الأمريكي”.. “كورونا” غير شكل العالم     

تحليل وآراء

2019-09-25 03:02:38  |  الأرشيف

خيارات ومصير عملية السلام.. بقلم: محمد نادر العمري

الوطن
منذ أيام وأثناء الدورة الحادية والثلاثين لمعرض الكتاب، استضافت مكتبة الأسد الوطنية ندوة فكرية وتوقيع كتاب توثيقي بعنوان «الرجل الذي لم يوقع» بحضور المستشارة السياسية والإعلامية لرئاسة الجمهورية بثينة شعبان ورئيس مجلس إدارة قناة الميادين غسان بن جدو، جال في فكري، وأنا أستمع لأهمية الحقبة التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد وتحدياتها فيما يتعلق بمسار الصراع العربي الإسرائيلي، تساؤل له تأثيره وأهميته الجيوسياسية على مستوى الخريطة الإقليمية وهو: ما مصير محادثات السلام التي توقفت؟ وأي الخيارات والسيناريوهات الأكثر ترجيحاً وأقربها للواقع التطبيقي المفترض في المستقبل؟
كثيرة هي الجدليات والمقاربات بصيغها المعقدة والمتشابكة انبثقت في محاولتي الإجابة عن ذلك، أولاً بسبب التوقيت السياسي لمثل هذا التساؤل نظراً لما شهدته سورية من استهداف وتدمير ممنهجين ودور إسرائيل المباشر في ذلك واستخدام سياسة «العصا الغليظة والجزرة المهينة» من واشنطن طوال عقود مسار المباحثات وفي إدارتها لمحور الاعتداء على سورية لفرض أمر واقع على قيادة دمشق للقبول بسلام غير عادل مع إسرائيل على غرار اتفاقيتي كامب ديفيد ووادي عربة، ثانياً من حيث الظروف الإقليمية والدولية والمتغيرات والتطورات المتسارعة وما يحكم النظام الإقليمي وخصوصاً من توتر متصاعد، ثالثاً شكل ومكان المباحثات القادمة والجهة الجديدة التي من الممكن أن ترعاها وخاصة بعد إعلان واشنطن اصطفافها كطرف داعم للأطماع الإسرائيلية عبر الترويج لصفقة القرن واعترافها بضم الجولان لما يسمى السيادة الإسرائيلية وعوامل نجاح أو إخفاق هذه المباحثات في حال حصولها وتوقيتها الزمني.
في الحقيقة ومن وجهة نظر شخصية وبخبرة سياسية متواضعة أعتقد أن الواقع السياسي يفرض علينا أن نفكر بمثل هذا السؤال ومحاولة وضع إجابات عنه في هذا التوقيت السياسي بالذات، لكي نتمكن من فهم سبب الحرب على سورية طوال السنوات الماضية واحتمالية استمرارها بأشكال مختلفة، ليس فقط نتيجة موقعها الجغرافي المهم ولا امتلاكها موارد غنية بل نتيجة مواقفها وإرادتها التي لا تلبي طموحات إسرائيل ومصالح أميركا، لذلك فإن التصورات تدور حول السيناريوهات المحتملة التالية:
السيناريو الأول: استئناف مباحثات السلام، ويمكن تقسيم هذا السيناريو إلى عدة خيارات:
• أن تمارس واشنطن ضغوطاً على دمشق للقبول بذلك مقابل حل الأزمة السورية ورفع الحصار الاقتصادي عنها، وهذا الخيار ليس بجديد بل أعلنته صراحة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون منذ بدء الحرب على سورية، وهو سلوك مازالت تنتهجه الإدارة الأميركية عبر مساعيها لفرض صيغة حل للأزمة السورية مقابل السلام مع إسرائيل والتطبيع معها، وذلك برز مؤخراً في النقاط العشر التي قدمتها المجموعة المصغرة حول سورية، ويعني في الوقت نفسه أن تحتكر واشنطن حصرية الوساطة، لكن هذا الخيار مرفوض تماماً من قيادة دمشق التي ترفض أي صيغة للمقايضة التي عرضتها وتعرضها واشنطن.
• الخيار الثاني: رعاية روسية أميركية لعملية السلام كتعبير عما شهده النظام الدولي من تغيير موازين قواه، ومثل هذا الخيار أعتقد أنه مستبعد نتيجة العامل الداخلي لأميركا، فهناك تيار تمثله قوة لا يستهان بها من مؤسسات الدولة العميقة وفي مقدمها الكونغرس الذي يرفض أي تعاون مع روسيا بأي مجال، ووجود تيار متعصب لمصالح إسرائيل ويرى أن شراكة واشنطن مع روسيا لن يسمح للأولى بامتلاك هامش مناورة لتحقيق مصالح إسرائيل.
وضمن هذا الخيار أو في خيار منفصل يمكن العودة لطرح مؤتمر دولي لرعاية عملية السلام وإعادة إحيائها في حال حصول توافق بين الجانبين الروسي والأميركي، على غرار مدريد1991 ولكن بصيغة مزاوجة القطبية في الرعاية الوسيطة، وقد يشمل الإقليم الشرق أوسطي أي عملية سلام شاملة للإقليم وبمراحل متعددة.
• الخيار الثالث أن تتم المحادثات برعاية روسيا كوسيط دولي جديد، ومثل هذا الخيار يستند إلى مؤشرات ترجيحية، أهمها:
1- خروج سورية من عنق الزجاجة وعدم تمكن واشنطن وتل أبيب من فرض أجنداتهما عليها في تغيير مواقفها واصطفافاتها، لا بالقوة العسكرية عام 2006، ولا بالحرب الناعمة منذ عام 2011 عبر توظيف الإرهاب، والحصار الاقتصادي، والاعتداءات المتكررة والاستنزاف، إلخ.
2- علاقات موسكو الإستراتيجية مع دمشق وغير العدائية مع تل أبيب ووجود مصالح مشتركة بينها وبين طرفي الصراع بل أطراف الصراع الأخرى في لبنان وإيران.
3- امتلاك سورية ومحور المقاومة قدرات عسكرية أثرت في تغيير موازين القوى منذ عام 2006 والتي من شأنها تقييد السلوك العدواني الإسرائيلي والهيمنة الأميركية، وتطوير قدرات هذا المحور وتفوقه في بعض تفاصيل وجزئيات هذا الصراع بما فيها الصناعات التكنولوجية العسكرية والحرب النفسية وصراع الأدمغة والعقول.
4- تغيير النظام الدولي في شكله وطبيعته وأطرافه التي لديها قدرات تأثيرية في ظل تراجع النفوذ الأميركي، فضلاً عن وجود مشاريع جيوسياسية واقتصادية لهذه الأطراف وخاصة روسيا والصين كمشروعي الأوراسي وخط الصين اللذين يتطلبان تأمين بيئة خالية من الصراعات لنجاحهما.
نجاح هذا السيناريو بخياراته المتعددة مرتبط بعامل أساسي، هو قبول إسرائيل باستئناف مسار المحادثات من حيث توقفت ومن دون شروط، ومثل هذا العامل غير متوافر في الداخل الإسرائيلي رغم تراجع فاعلية قوتها العسكرية وتصدع داخلها السياسي والاجتماعي.
الأمر الذي يقودنا للسيناريو الثاني: الحرب الشاملة، ومثل هذا السيناريو مطروح وبشدة لأن تجربة تحرير الجنوب اللبناني أصبحت تمثل أنموذجاً لمحور المقاومة في استرداد الحقوق سواء كانوا دولاً أم حركات مقاومة في ظل عدم جدوى مسار التسوية، وسعي محور المقاومة لتطوير قدراته العسكرية وعدم انجراره خلف السلوكيات العدوانية الأميركية، ربما يكون هدفها انتقاء التوقيت المناسب لمثل هذه الحرب وخاصة دمشق التي اكتسبت حلفاء لن يتخلوا عنها، ولكن حسابات مثل هذه الحرب ستكون حساسة ومصيرية للغاية ولها ارتباطات وعلاقات أيضاً بالقوى الدولية الصديقة لدمشق ومحور المقاومة ولاسيما روسيا الاتحادية، لأن اندلاعها لا يعني انحصارها ضمن الخريطة الإقليمية، بل قد تتسع لتتحول إلى حرب عالمية في حال التدخل الأميركي واستخدام إسرائيل أسلحتها النووية ضد إيران وسورية، وهذا سيفرض تحدياً أمام الروسي: المشاركة وعولمة الحرب أو الوقوف جانباً وانحسار دورها باستثناء تقديم الدعم العسكري لمحور المقاومة.
السيناريو الثالث: وهو الأكثر ترجيحاً ويدور حول أحد الاحتمالين:
• الأول حصول اشتباك عسكري إقليمي محدود ومضبوط بمبادرة من محور المقاومة لتضييق الخناق على إسرائيل مع زيادة النفوذ الروسي في المنطقة، لإرغام إسرائيل على الانسحاب وتطبيق القرارات الدولية تحت ضغط الاشتباك.
• الاحتمال الثاني بقاء الصراع مفتوحاً من دون التوصل لأي نتيجة أو إجراء مباحثات من دون التوصل لأي نتيجة، أي المفاوضات بهدف المفاوضات فقط، وهذا أسلوب تحبذه إسرائيل للتنصل أو اتهام خصومها بالتعطيل، ولكن بقاء الصراع قائماً يعني بقاء المنطقة ساحة للكباشات والمشاريع المتناقضة الأمر الذي يجعلها قابلة للتجاذبات الإقليمية والدولية.
قد أكون صائباً فيما طرحته من تصورات وقد أكون على خطأ، ولكن في كلتا الحالتين أجزم بأن من يراهن على أن تساوم وتقايض القيادة السورية على بقاء النظام السياسي على شكله وحل الأزمة مقابل سلام غير عادل مع إسرائيل هو منفصل عن الواقع السياسي، ومن يراهن على الوقت لتحقيق خرق دستوري وسياسي مع استخدام جميع أشكال الحرب الناعمة من الإرهاب والاقتصاد والأمن واللاجئين، لتغير النظام السياسي السوري، هو منفصل عن الواقع السياسي.
 
عدد القراءات : 4853

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
المدينة :
عنوان التعليق : *
التعليق : *
 

 
 
التصويت
كيف يتعاطى الإعلام الأميركي والغربي مع فيروس كورونا؟
 
تصفح مجلة الأزمنة كاملة
عدد القراءات: 3522
العدد: 486
2018-08-06
 
كيف نحدث الارتقاء؟
لا شيء مستحيلاً عندما يلتقي الفكر مع المادة مع الإصرار على النجاح والوصول إلى الأفضل، لنعترف أننا وصلنا إلى القاع، هل نبقى تائهين في قعره؟ نؤمن بالكفاف بعد أن كنا قلب الحراك الإقليمي، ومن أهم المساهمين في صناعة عالم أفضل، ومن أهم من قدم للمحيطين بنا مفردات تمكين المجتمعات وبنائها واستثمار مواردها بالشكل الأمثل.
كم علّمنا الكثيرين أساليب التصدي للتحديات ومقاومة كل أشكال التخلف والجهل والاستعمار والإرهاب بكل أشكاله وسياساتنا المبهرة التي نجحت في تحقيق التنمية، وقدمت آلاف المبادرات، وعلى كل محاور الحياة، وأهمها في العمل الإنساني والأخلاقي ومكافحة الأمية التعليمية والفكرية.
كم اندمجنا كمجتمع حتى غدونا واحداً، وذاب الخاص في العام، ودُعي الجميع وبروح وطنية عالية للإسهام في بناء الحياة العامة والتصدي لأبرز المشكلات باتحاد الكل الثقافة على اختلاف أدواتها والإعلام بوسائطه كافة مع السياسة الأم؟ الجميع دخل إلى المشاركات الفاعلة، لأن الاعتبار الرئيس الذي ساد على كل شيء كان في صناعة وطن والارتقاء بحضوره بين الأمم، هذه الصناعة التي لا تنجح إلا بوجود رئيس قائد مؤمن بجغرافيته وشعبه وقانون يسود على الجميع، يخضعهم إليه، وأمن حريص على نشر الأمان وزراعة الأمل ورعايته، ومنطق يتقبله المجتمع أثناء نقاش الدخل والإنفاق والأسعار.
هل تكون الحلول بإغلاق المحال والضبوط التموينية وتعدد أسعار الدولار ومحاولة لعب أدوار تجد نفسها من خلالها في مواقف لا تحسد عليها؟ هل كل هذا أوقف الغلاء واتساع الهوات بشكل فاق كل التوقعات؟ ألا يتطلب هذا حوارات موضوعية سريعة تكون منها نتائج ولو بالحد الأدنى ترضي الجميع الذي يدرك الواقع المحاصر والضاغط على الدولة والشعب من قوى داخلية وخارجية؟
أين نحن الآن من ضبابية تلف وجودنا؟ تتناهبنا الظروف القاسية، شعارات براقة وكلام معسول، المستحيل يغزو العقول، وضمور الضمائر يلف القلوب، بصماتنا تذروها الرياح، ويتناهبها القاصي والداني، ما أضعف الثقة بين الأرض وإنسانها، بين المواطن وحكومته، فمظاهر الاستدراك ضعيفة، وانحطاط النفوس مرعب، وغدا حالنا مجهولاً كنسب شهرزاد غير المعروف، وهل هي بدعة أسطورية حاكت قصصها، وملأتها بالإثارة؟ أم إنها مبرمجة من أجل زمننا المعيش؟ هل يعقل أنها خدعتنا لعشرات القرون، ونجحت في تحويل وجودنا إلى خيال وتخيّل وخيلاء؟ هل منكم من يعرف اسمها الحقيقي ولمن تنتسب؟ أين قدراتنا ومقدراتنا؟ هل فقدناها في مواخير البغاء، وعلى طاولات نشر الفساد، تحتها وفوقها وموائد المخمليين من تجار الأزمات هل تساوي أو توحد الجميع؟ الغني مع الفقير، والحاكم مع المحكوم، والراعي مع الرعية أمام هجمات الذئاب الواردة من كل حدب وصوب.
هل وحدتنا هذه الحال أم إنها راكمت المصائب؟ هل تعاملنا معها بعقلانية وحزم ومسؤولية، أم إن البعض بحث عن الغنائم، وترك الباقي يحثهم بالدفاع عن القضية؟ ألا يجب أن يكون لدينا مشهد مقارن واقعي يبتعد عن التزييف، نكون إلى جانبه، ليكشف لنا جميعاً ومن دون استثناء عن أين نحن؟ فإذا أدركنا ذلك، ألا ينبغي أن نتجه إلى نهج جديد أو نسرع في ترميم المتآكل من نهجنا، أو ننتج ممكناً وبسرعة الحكيم الآمر لا بتسرع المأمور الجاهل؟ وصحيح أن معالجة المستحيل تحتاج إلى النفس الطويل الذي يستعان به عند معالجة الأمور المستعصية، أما الأمور الممتلئة بالخلل والمشاهدة والواقعة في متناول اليد وعلى خط البصر فتحتاج إلى الحلول السريعة النافعة والمؤثرة، التي تزيل الأخطاء عن سواد المجتمع والوطن.
مؤكد أن الأفراد لا يستطيعون تحقيق الارتقاء بمفردهم، وليست هي مسؤوليتهم، إنما هي مسؤولية الحكومة التي عليها أن تقود حملة واسعة بعملية نوعية، ولتكن فريدة وضخمة، تشرك فيها الوزارات والمؤسسات العامة مع القطاع الخاص بكامل أجنحته التجارية والصناعية والزراعية والسياحية والمفكرين والمثقفين الواقعيين والفاعلين في الخارج والداخل، والصحفيين والإعلاميين، لأن التصدي للمشكلات لا تقدر عليه جهة واحدة ولا فرد واحد مهما بلغ من شأن، وفتح خطوط تواصل مع المحيط الذي سنعود إليه، ويعود إلينا عاجلاً أم آجلاً أفضل من القطيعة التي يفرضها المعتدون عليها، إذاً لتكن منا المبادرة، ونحن أهم العارفين بنظم التكيّف مع الظروف، ومن أهم اللاعبين بين مدخلاته ومخرجاته.
دول كبرى اعتمدت نظام الإدارات، ونادراً ما ترى فيها ظهوراً للوزراء، فلا يستعرضون أنفسهم إلا عند الشدائد، وهم ندرة، أي إن الهم الرئيس لدى الدولة يكمن في إدارتها بصمت منتج، لا من خلال الإبهار بلا نتائج، لأن العمل مسؤولية لا ميزة.
كيف بهذا الوطن لا يحدث معهداً خاصاً يعمل على تهيئة المديرين والمسؤولين والوزراء، ويجهزهم لتولي المناصب؟ يعزز فيهم بناء الأخلاق الوطنية وروح المبادرة وإبداع الحلول واستخلاص العبر، ويريهم أخطاء من سبقوهم وإنجازاتهم في التطوير ونظم المحاسبة والمكافأة بعد أن يكون قد درس أثناء اختيارهم بدقة منبتهم ودراساتهم وإسهاماتهم حتى شكلهم الإداري أو القيادي، فيتكون لدى الدولة خزان رافد دائم أو بنك معلومات عن الصالحين للعب هذه الأدوار.
لا شيء مستحيلاً، لأن كل شيء ممكن لحظة توافر الإرادة، ربما نؤمن بالمستحيل لعدم بحثنا عن الحلقة المفقودة التي تصلنا ببعضنا، وكل شيء تربطه العلاقات الوطنية البناءة، لأنها شريان الحياة، وما يبثه من تفاصيل تربط الأشياء ببعضها، فتوصلها إلى العقول والقلوب، ليظهر معها ومن خلال الأفعال التي تحكم عليها الأمم بأن هذا المجتمع ناجح أو فاضل أو مستقر أو متخلخل مضطرب، وفي الداخل الجميع يسأل من القاع: لو أنه لدينا تمكين اقتصادي وتمكين اجتماعي وتمكين سياسي فهل كنا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ هل هيأنا تنوعنا الاجتماعي للمدنية الحقيقة، أم إننا مدّعون والتخلف ينهش في جوهرنا؟ وهل وصلنا إلى مرحلة النضج الواعي لاستيعاب معاني الوطنية والعروبة والقومية والأديان؟ وهل أسسنا نظماً صلبة نبني المناعة في وجه التطرف والخبث والفساد وعدم الاستتباع للقوى المهيمنة على العالم؟
يبدو أننا ماهرون في نزع الصواعق، وننسى أن القنابل والألغام تبقى جاهزة للانفجار في أي لحظة، وفشل أي سياسة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية يستدعي نقاشها أو حتى تغييرها إلا إذا كانت العقلية المدبرة لا تمتلك الرؤية أو غير قادرة على إحداث رؤية جديدة وضرورة تصحيح الرؤية، أو حتى استبدالها يسرع الخروج من القاع، ويقصر المسافات، وإلا فهذا يعني الاستمرار في إبقاء الحال على حاله، أو أنها برمجة مقصورة.
مهمة مزدوجة يتقاسمها المجتمع بكل أطيافه مع الحكومة وإجراءاتها، ويجب ألا يكون بينهما مشاكسة إذا كانت الإرادة الخروج من القاع، فالتناقض يراكم الآثار السلبية البالغة الخطورة على السياسة والاقتصاد في آن، ولذلك أجزم أننا بحاجة أكثر من ماسّة لتقديم مشروع وطني متكامل الأبعاد، أساسه أبناء الوطن المخلصون، ولا ضير بالتعاون مع خبراء من دول شقيقة أو صديقة، والضرورات أحياناً تبيح المحظورات، وفتح خطوط مع شركات وأفراد في دول متطورة أو محيطة مهم جداً، لأننا ومهما كنا لا يمكن لنا أن نحيا بمفردنا، فالتعاون مع الآخر ضروري، ويعبر عن مدى النجاح الذي تحققه الحكومات في محاربة الفقر والعجز التجاري وتحويل المجتمع إلى منتج وفاعل ومترابط، وكل تطور في العلاقة بين الحكومة والمجتمع يضيف إلى الدولة قوة ومنعة ورفعة، هذا النجاح وهذه القوة لا يحدثان إلا إذا تخطينا حواجز الجهل والمرض والتخلف، وقضينا على مظاهر الفساد، وأهمها الأخلاقية المنتشرة بكثافة.
كيف نحدث الارتقاء، ونخرج من القاع لحظة أن نصل إلى امتلاك قيمة وقوة المواطنة، ويكون لدينا نضج وطني يمتلكه المسؤول والمواطن؟ لأن المسؤول مواطن، وعليه أن يدرك أنه سيعود إلى مواطنته بعد ترجله عن كرسي المسؤولية، والمواطن مسؤوليته إدراك قيمة وطنه والإيمان به.
د. نبيل طعمة
المزيد | عدد المشاهدات : 245748
Powered by SyrianMonster Web Service Provider - all rights reserved 2020