السنّ خير الطبيعة في الساحل عبر آلاف السنين
الأزمنة
السبت، ٦ أبريل ٢٠١٣
زهير جبور
سوف يعجب كثيراً الضيف الزائر للساحل السوري حين يتوقف في منتصف الطريق الواصل مدينة اللاذقية بمدينة طرطوس. ليتعرف على نبع السن وبحيرته، والمصادفة الطبيعية التي جعلته في موقعه الوسطي عملت على تطور الزراعة والسكان ووفرت مصدر المياه، ولنتخيل أن لا سنّ في موقعه، أو لا عين فيجة في ريف دمشق. فأية مشكلة كبيرة كانت ستحصل. وهي الطبيعة حاضنة البشر والأرحم منهم على حالهم. وهم يسيئون لها وتعطيهم عطفها وخيرها.. نعم قد يفتش الزائر اليقظ الحساس عن لغز طبيعي جمع بين الجبل من الجهة الشرقية، والنبع المتدفق في آخر انحداره عند بلدة (قرفيص) الغافية على الكتف حاضنة للبحر، وغابات الصنوبر، وذلك البحر في لوحة رسمت بريشة فنان، ولا عجب أن تكون اللاذقية تحاذيها طرطوس غافيتان منذ آلاف السنين، تجاورهما أمواج البحر المالحة مبللة وجهيهما. وثمة نبع غزير متدفق في كل الفصول يهبهما المياه العذبة النقية آتية من أعالي الجبال، ولو تخيلنا أنهما دون النبع بالتحديد. فسيأتي جافاً. لا حراك فيه، وهو يروي السكان والأرض الزراعية. وكان مصدر العيش منذ آلاف السنين. ولنقل منذ أن عرف البدائي قيمة الماء وخطر العطش. وهو كان قد سكن المنطقة. وتل سيانو في جبلة شاهد على ذلك واكتشفت أدواته الصخرية في أعلى قمته.
• معاناة
لكن ذلك لم يكن شيئاً مهماً، وظلت المحافظتان تعانيان من العطش وشح المياه، إلى أن جاء عام 1971 لتقام محطة ضخ المياه من نبع السن. وتمتد يد الهندسة وقساطلها محققة أمنية طالما راودت السكان، وكانت المياه بكاملها تصب في البحر. ونشير هنا أن الدراسات حول حوض السن ظلت وصفية حتى قام الباحث الجيولوجي د. فواز الأزكي بإجراء دراسة حقلية ورقمية بين أعوام 2010وحتى 2013 وتوصل من خلالها إلى تحديد مصادر نبع السن ومستقبله الاحتياطي، وهو الأمر الجيولوجي الذي سنتوقف عنده في موضوعنا هذا.
• جولة ميدانية:
رافقني الدكتور الباحث في جولة ميدانية إلى النبع الذي يبعد عن مدينة اللاذقية 40 كم على الطريق القديمة قبل شق الأوتستراد في سبعينيات القرن الماضي. وهناك استقبلنا المهندس محمد صافي الجهني مدير فرع الموارد المائية، وهبت علينا نسائم الربيع الساحلي ممزوجة برائحة زهر الليمون وزهور الربيع المختلفة، وهو ربيع ساحلنا الحزين جداً بسبب الظروف التي تعيشها البلاد، ويا للأسف الشديد، كنا في الماضي نرى أعداداً لا بأس بها من الباصات تحمل رحلات الطلاب من جميع محافظات سورية، حضروا ليتعرفوا على معجزة مائية طبيعية. ويشاهدوا أقصر نهر في الدنيا كلها. فبين نبع السن والنهر الذي تجري مياهه فيه إلى البحر مسافة 2 كم فقط. وهو أيضاً يشكل معجزة. وتطلق عليه تسمية نهر لأنه يحمل رغم قصر طوله مواصفات وتضاريس أيّ نهر. ووضّح لنا رئيس دائرة الاستثمار في فرع الموارد المهندس طلال غانم. عمليات الضخ والتنقية والحماية من التلوث. والإصرار على الاستفادة من كل قطرة ماء. وعدم الهدر. وعمليات إزالة الأعشاب التي تنمو في البحيرة. وهي تتم بمواصفات تقنية عالية. مع محافظتهم على البيئة العامة المحيطة. وتحدث الدكتور الباحث عن أهمية حوض السن الذي يعتبر جزءاً من المنطقة الوسطى من الجبال الساحلية الممتدة من الشمال إلى الجنوب في شكل سلسلة واحدة بين وادي نهر الكبير الشمالي ووادي نهر الكبير الجنوبي بعرض يتراوح بين 25-30كم، بين البحر المتوسط وغور انهدام سهل الغاب. وأثناء الجولة في المكان. جرت مناقشات لم تخلُ من الإشادة بنعمة هذا المكان وفوائده وما قدّمه لكامل الساحل السوري. وطبيعة الينابيع المحيطة والمتدفقة من القمة. حيث نبع (سوريت) وعلاقته المباشرة بالينابيع الأخرى والبالغة (14) موزعة على أبعاد مختلفة من انحدار البحيرة صعوداً حتى جبل حريصون وقرفيص، واللافت أن اسم (سوريت) من أصل سرياني، ويعني (سورية) ما يدل على إنه منذ ذلك الزمن كانت بلادنا الحبيبة الغالية، المجروحة اليوم رمزاً للخير والعطاء. وحمل النبع اسمها العظيم كما هي عظمتها لتتوارثه الأجيال، وجميع أهل الساحل يسمونه (سوريت). وبمحاذاته أقيم منتزه الواحة المستمد من الصحراء ليمزج بين رمزية الصحراء والبحر، والنهر والجبل والينابيع.
• فكرة جيولوجية:
ولأننا بين جبل وبحر ونبع فقد تم التوقف عند طبيعة صخور يقول الدكتور فواز: يطلق عليها علمياً النفوذة للماء، أي المصرفة لها؛ مما يجعل تأمين المياه مشكلة قائمة تتفاقم باتجاه المناطق المرتفعة مع أنها الأكثر هطولاً للأمطار، لكن ينابيعها قليلة ولا جريان سطحياً دائماً لها، ولا تربة صالحة للزراعة، باستثناء الجوبات وأودية المسيلات، ومعالم الحياة تأخذ بظهور الينابيع ضمن بطون وجوانب الأودية وتتزايد وترتفع غزارتها، كلما تقدمنا باتجاه السهل الساحلي ويرافقها اتساع رقعة الأراضي المغطاة بالتربة، وهو المتطابق تماماً مع سهل جبلة المحاذي لنبع السن ويرويه.
• حوض السن:
تقع منطقة حوض السن على السطح الغربي لسلسلة الجبال الساحلية، وتأخذ شكلاً قوسياً في الجزء الهامشي من الصفيحة العربية. يحدّها من الغرب البحر الأبيض المتوسط، ومن الشمال شاطئ البسيط، وحوض نهر الكبير الشمالي. ويرتفع فيها الجزء الشرقي بنيوياً وطبوغرافياً أكثر من الجزء الغربي؛ لذلك فإن الصخور الأحدث تتكشف في الابتعاد عن محور السلسلة باتجاه الغرب، ويمكن اعتبارها نجداً وحيد الجانب، ويعتبر فالق السن هو الفالق في منطقة الحوض، ويبدأ عند نهر السن في الغرب ويتجه شرقاً حتى يصل إلى جنوب بلدة (بيت ياشوط) التي ترتفع عن سطح البحر (400) م ثم يتفرع إلى فرعين الأول يتجه إلى الشمال الشرقي ويستمر حتى يصل إلى منخفض الغاب. والثاني يتابع اتجاهه شرقاً. أما نوعية الفوالق فهي ذات اتجاه شمال شرق. جنوب غرب، وأخرى ذات اتجاه شمال غرب، جنوب شرق.
• هي الطبيعة:
جمال ساحر. خضرة ومياه. ربيع ونسيم، وصوت موسيقا النهر، والحلم الذي يتحفز متيقظاً في مثل هذا الشعر الطبيعي المتناغم لحناً وصورة وأداء. أكثر من عامين مرّا ولم أر فيها نبع السن الذي يشدني حنيني إليه..
لأنني من عشاق المكان لأكثر من ثلاثين سنة مرت، وشهدت فيه مراحل العمل، قبل المضخة المائية العملاقة وبعدها.. وعندما كنّا نغادر المكان تقاذفتني تيارات حنين.. وأمنيات ورجاء أن تعود سورية معافاة، سليمة، أن لا يبدل النهر مجراه. وأن تظل الينابيع متدفقة وأن تبقى نعمة السن ولا تقترب إليه يد الخراب والدمار..
أخذت شهيقاً عميقاً جداً.. زفرته بهدوء.. ورائحة الربيع.. تتغلغل في مسامي..