الكاريكاتير الفنُّ الذي لا مثيل له
الأزمنة
السبت، ٣٠ يناير ٢٠١٠
إنه فن قائم بذاته فهو لا يستعير من الفنون الأخرى أدواتها، بل يعتمد على أدواته الخاصة به.فقد شهدت فتره الخمسينيات من القرن الماضي قفزة نوعية في الصحافة السورية حيث صدرت المئات من الجرائد والمجلات في كافة أنحاء سورية وانتشر معها فن الكاريكاتير، وكانت تجربة صحيفة المضحك المبكي لصاحبها حبيب كحالة تجربة سورية نادرة افتقدتها الساحة العربية وبرز على صفحات المضحك المبكي الفنان سمير كحالة برسومه الكاريكاتيرية الجريئة التي تناولت كل جوانب الحياة السورية، وابتدعت المضحك المبكي شخصية الحمار (حكمة الحمار) وعدد آخر من الشخصيات الطريفة التي وظفتها لخدمة سياسة المجلة في الانتقادات اللاذعة لممارسات خاطئة، حيث كانت تعالج قضايا المجتمع من خلال هذه الشخصيات واستمرت تجربة المضحك المبكي إلى عام 1966 م، حيث تم إغلاقها بعد ذلك. الكاريكاتير والصحافة السورية المجلات والكاريكاتير: لم يقتصر فن الكاريكاتير في فترة الخمسينيات على المضحك والمبكي بل ظهرت العديد من الجرائد والمجلات التي أفردت صفحاتها لهذا الفن منها مجلة الدنيا لصاحبها عبد الغني العطري حيث كان الكاريكاتير يسرح ويمرح على صفحات المجلة منتقداً سلبيات السلطات، والرؤساء، والمتنفذين، مسلطاً الضوء على الشأن الاجتماعي والسياسي والثقافي السوري، كما أفردت مجلة العصا الدمشقية التي صدرت عام 1956 ولم تدم طويلاً في إصدارها، عدة صفحات لفن الكاريكاتير الذي تناول الشأن الاجتماعي، ولعبت مجلة الجندي الصادرة عن الجيش السوري في فترة الستينات دوراً مميزاً في تنمية فن الكاريكاتير حيث ظهر على صفحاتها الفنان مظهر شمه برسومه المتنوعة التي عالجت قضايا الأسرة وصولاً إلى القضايا السياسية. وخلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي ظهر العديد من المجلات وكانت تخصص صفحة أو أكثر لرسوم الكاريكاتير منها مجلة "هنا دمشق" وهي مجلة الإذاعة السورية، ومجلة "صوت سورية "، والمجلة الحلبية "السنابل"... إضافة لظهور جرائد ومجلات متخصصة في الفكاهة منها ما اعتمدت على رسوم الكاريكاتير، والأخرى اعتمدت على النكتة والطرفة في رسم صورة كاريكاتورية لأحداث تشهدها البلاد، ومن هذه الجرائد، جريدة الراوي التي صدرت عام 1909 م لصاحبها توفيق الحلبي، جريدة النفاخة التي صدرت عام 1910 م لصاحبها يوسف عز الدين الأهرامي، جريدة اسمع وسطح التي صدرت عام 1910 م، جريدة ضاعت الطاسة والتي صدرت عام 1910 م لصاحبها يوسف خالد المسدي، جريدة جراب الكردي والتي صدرت في حمص عام 1914 م لصاحبها توفيق جانا، جريدة الحمارة لصاحبها نجيب جانا وصدرت عام 1919 م، الطبل لصاحبها محمود لطفي الحمصي وصدرت عام 1919 م واعتمد أكثر من غيرها من الجرائد الصادرة آنذاك على الرسوم، جريدة الكلب لصاحبها صدقي إسماعيل صدرت عام 1956 م.
كما كان الفنان عبد اللطيف المارديني بريشته الأنيقة ولمحاته الذكية، التي أضحكت الناس طوال عقد الخمسينات، خصوصاً في تناوله الشخصيات الاجتماعية محطة مهمة لفن الكاريكاتير، وتتالت أسماء كبيرة لفنانين تشكيليين سوريين كان لهم الباع الطويل في هذا الفن أمثال توفيق طارق (1940 - 1975)، عبد الوهاب أبو السعود، حيث وجدوا في صفحات الجرائد والمجلات فسحة لتفريغ الانفعالات لاسيما في إطار الاستعمار الفرنسي البغيض، وقضايا المجتمع.
هذا وقامت منذ عدة سنوات محاولة أخرى في هذا الصدد وأطلق على الصحيفة اسم الدومري- وهو الرجل الذي كان يشعل فوانيس الكاز في أحياء دمشق - وهذه الصحيفة للفنان العالمي علي فرزت، ولكنها مع الأسف لم تعمر طويلاً..؟ وتناولت الدومري الواقع الاجتماعي السوري في شتى أنواعه وأشكاله.
وفي أيامنا هذه وفي ظل السماح بإصدار الصحف والمجلات الخاصة فقد أتيح المجال على مصراعيه لفناني الكاريكاتير، لنشر رسومهم التي تطال مجالات الحياة كافة، وأيضاً الصحف الرسمية في دمشق والمحافظات السورية، تنشر يومياً ومنذ سنوات طويلة رسماً كاريكاتورياً لأحد فناني سورية عن واقع الأحداث المحلية أو العربية أو الدولية. وظهرت أسماء فنية كثيرة وكبيرة يصعب ذكرها هنا تنبئ بمستقبل واعد لها، وأن العديد من فناني الكاريكاتير تخطوا المحلية ونالوا الجوائز العربية والدولية لإبداعاتهم في فن الكاريكاتير. وإذا أردنا أن نكون منصفين لا بد من الإشارة أن رسوم الكاريكاتير الانتقادية للحكومة قد اختفت أو أصبحت نادرة في الصحافة السورية منذ إغلاق الصحف الخاصة في الستينات من القرن الماضي، ولكن خلال السنوات الماضية أصبحنا نرى رسوم الكاريكاتير لأعضاء الحكومة تتصدر الصحف والمجلات الخاصة والرسمية، فكانت رسومات الفنان علي الحمرا هي الأجرأ على صفحات جريدة الثورة، ورسومات الفنان عبد الهادي الشماع على صفحات جريدة الوطن الخاصة، والفنان رائد خليل على صفحات جريدة البعث، والفنان نضال خليل على صفحات مجلة الاقتصاد الخاصة. أخيراً: الآن وبعد مسيرة طويلة شاقة استطاع فنانونا التربع على قمة هذا الفن وحصدوا الجوائز العالمية وسعت إليهم كبريات الصحف والمجلات العربية وأضحى الكاريكاتير من أهم الفنون السورية وأضحى رسامو الكاريكاتير السوريون ينافسون أشقاءهم العرب ورسامي الدول الأجنبية حيث ترعرع فن الكاريكاتير الحديث في ديارهم... قد يكون هذا الفن الكاريكاتير هو وحده الفن الذي لا مثيل له! إنه رسم بسيط لفكرة كبيرة وتعليق ساخر قصير يختصر آلاف الصفحات ويسفر هذا الرسم وهذا التعليق عن ابتسامة واسعة، ويطلقان معاني كبيرة، لتسكن ذهن وعقل الإنسان، وتجبره على التفكير فيما هو داخل دائرة الواقع، وتدعوه إلى تشكيل الدائرة من جديد، بفكر وعقل جديدين من أجل واقع أفضل. وهذا ما يعطيه الأهمية، ويجعله الفن الذي لا مثيل له!.. لأنه على حد قول الرسام السوري العالمي علي فرزت "أكثر الفنون ملائمة للتعبير عما نحن فيه من واقع سياسي واقتصادي واجتماعي، كما أنه فن قائم بذاته فهو لا يستعير من الفنون الأخرى أدواتها، بل يعتمد على أدواته الخاصة به". يتبع شمس الدين العجلاني- أثينا 