انتصر في " تل المالكي" وسقط بدمشق شهيداً.. تفاصيل .. خفايا .. آراء (14 من 14)
ثقافة
السبت، ١٦ مارس ٢٠١٣
شمس الدين العجلاني - أثينا
alajlani.shams@hotmail.com
لم تشغل الرأي العام في سورية قضية كما أشغلتها قضية اغتيال عدنان المالكي منذ استشهاده يوم 22- نيسان عام 1955 وحتى صدور قرار الحكم في 13 كانون الأول 1955م، رغم ما حدث خلال تلك الفترة من تطورات سياسية هامة كانتخاب شكري القوتلي لرئاسة الجمهورية واستقالة حكومة صبري العسلي الائتلافية. وتشكيل حكومة سعيد الغزي وأحداث هامة أخرى على مختلف الأصعدة السياسية، فكان الناس يقرؤون في الصحف ويستمعون من الإذاعة لوقائع المحاكمة واعترافات المتهمين وعرض الوثائق والمستمسكات ومناقشتها.
قرار المحكمة:
صدر قرار المحكمة بعد بضعة شهور من المحاكمة، فكان وثيقة كشفت فعل أجهزة المخابرات الاستعمارية في تخريب القوى المسلحة العربية والأحزاب السياسية. ولاحظ المراقبون آنذاك أن محاكمة المتهمين بجريمة الاغتيال كانت لمحاكمة الحزب السوري القومي الاجتماعي أكثر مما هي لمحاكمة المتهمين! حتى أن المحاكمة جرت بحق بعض أعضاء الحزب السوري القومي غير المتواجدين في سورية والذين لم يقوموا بأي عمل جرمي ضد المالكي. وهذه من غرائب المحاكمات. كما أن المحكمة أدانت بعض المتهمين على الظنّ والشبهة، من دون أن يثبت قيامهم بأي فعل جرمي يستوجب معاقبتهم.
كما نصّب الرائد محمد الجراح "كما يقول المعترضون على المحاكمة" نفسه قاضي تحقيق عسكري بعد أن أبعد الرائد صلاح يوسف آغا من مهمته كقاضي تحقيق عسكري، وأبعد العقيد محمد الرافعي عن مهمته كنائب عام عسكري وجلس محمد الجراح مكان النائب العام العسكري، كما نصّب نفسه مدّعياً عاماً على القوميين الاجتماعيين في المحكمة العسكرية!!
أسفر حكم المحكمة عن إدانة المتهمين من السوريين القوميين بمقتل العقيد عدنان المالكي بالأحكام الآتية:
أولاً: حكم بالإعدام وجاهياً على ثلاثة هم: محمد منعم الدبوسي، بديع مخلوف فؤاد جديد وحكماً غيابياً على خمسة هم: جورج عبد المسيح وعبد الله محسن واسكندر شاوي وغسان جديد وسامي الخوري. وقد أدين بديع مخلوف ومنعم الدبوسي بجناية الاشتراك والتحريض على القتل، وأدين الباقون بجناية التحريض على القتل، كما أدين عبد الله محسن وجورج عبد المسيح بجريمة التجسس لحساب دولة أجنبية.
ثانياً: بلغ مجموع الأحكام الصادرة على عصام المحايري (18) سنة وخمس سنوات إقامة إجبارية في تدمر وأربع سنوات منع إقامة في دمشق - بالجرائم التالية: 15 سنة أشغال شاقة بجرم التجسس وسنتين ونصف أشغال شاقة لتحريض العسكريين على العصيان وخمس سنوات إقامة إجبارية في تدمر لتحريضه والتآمر على أمن الدولة الداخلي.
ثالثاً: بلغ مجموع الأحكام الصادرة على جولييت المير (18) سنة سجناً و(15) سنة مع الأشغال بجرم التجسس والاستحصال على وثائق يجب أن تبقى مكتومة وسنتين حبس لتشويقها العسكريين على الانضمام لحزب سياسي وخمس سنوات إقامة إجبارية بتدمر لتآمرها على أمن الدولة الداخلي.
رابعاً: كامل حسان (18) سنة حبس (15) منها مع الأشغال الشاقة بجرم التجسس وسنتان لتشويقه العسكريين للانضمام إلى حزب سياسي وسنة للانضمام إلى حزب غير مشروع.
خامساً: حكم على إبراهيم الصواف بالأشغال الشاقة المؤبدة لتدخله فرعياً في جرم القتل مع تجريده عسكريًا.
سادساً: زهير قتلان 12 سنة حبس وأشغال شاقة لتدخله فرعياً في جريمة القتل.
سابعاً: عبد الكريم الشيخ: سنتان حبس لتشويقه العسكريين للانضمام إلى حزب سياسي.
ثامناً: حكم (15) سنة بالأشغال الشاقة بجريمة الاستحصال على وثائق ومعلومات يجب أن تبقى مكتومة كل من: كميل جدع، عبد الله القبرصي، إنعام رعد، محمد يوسف حمود، مصطفى عبد الساتر كامل أبو كامل، أسد الأشقر، مصطفى أرشيد، جبران جريج، سعيد تقي الدين، سعيد شهاب الدين، فؤاد شواف.
تاسعاً: وحكم خمس سنوات إقامة إجبارية بجريمة التآمر على أمن الدولة الداخلي مع الإسقاط من الحقوق المدنية كل من: كامل أبو كامل، إنعام رعد، عبد الله القبرصي، محمد يوسف حمود، فؤاد الشواف، مصطفى عبد الساتر.
وقد صدر هذا القرار بالأكثرية بمخالفة رئيس المحكمة بدر الدين علوش وعضو المحكمة المقدم عفيف البزري، وكان سبب مخالفة الرئيس بدر الدين علوش التي كتبها بيده "أن الوثيقة المصادرة من بيت سليم منصور وإن كانت في مضمونها تحتوي على تبادل أخبار ومعلومات بين (م. أ) الوسيط في فلسطين وبين (م.س) الوسيط في الشام إلا إنه وجد عليها عند مصادرتها كتابة في أعلاها وفي منتهاها تؤدي أن هذه الوثيقة حصل عليها مكلف قومي اجتماعي، وإن هذه الوثيقة نقلت طبق الأصل. إن هذه الكتابة الموجودة على الوثيقة قرينة تدل على أن من وجدت معه ليس هو الجاسوس وليس هو الذي يتبادل المعلومات مع الوسيط في فلسطين (إسرائيل) وحيث إنه لم تقم في الدعوى أدلة محسوسة بحق المتهمين الذين ثبت اطلاعهم على هذه الوثيقة أنهم كانوا يتبادلون المعلومات مع الوسيط في فلسطين مما لا يجوز معه الأخذ بمضمون الوثيقة وإهمال القرائن اللاصقة بها" أما العقيد عفيف البزري فقد خالف قرار المحكمة بأربع نقاط. أولاً: لأنه اعتبر الحزب جمعية سرية خلافاً لرأي الأكثرية. ثانياً: لأنه اعتبر مجلسي الحزب محرضين على القتل. ثالثاً: لأنه اعتبر أن رسائل الشرابي والاتصال بالدول الأجنبية يشكل جريمة الخيانة ودس الدسائس لدى الدول الأجنبية. رابعاً: لأنه طلب الحكم على فؤاد جديد بالسجن أشغال شاقة مؤبدة.
استمرت المحكمة بجلساتها لحين أصدرت أحكامها بتاريخ 13/12/1955 بإعدام ثمانية متهمين، "محمد منعم دبوسي وبديع مخلوف وفؤاد جديد وجورج عبد المسيح وعبد الله محسن واسكندر شاوي وغسان جديد وسامي الخوري". ثلاثة منهم فقط كانوا رهن الاعتقال، بينما الخمسة الآخرون كانوا هاربين إلى لبنان" جورج عبد المسيح وغسان جديد"
وحين طلبت الحكومة السورية من لبنان تسليم الهاربين، أعلن وزير الداخلية اللبنانية أن الأفراد المطلوب تسليمهم قد ثبت وفقاً للتحقيقات أنهم غير موجودين داخل الأراضي اللبنانية!؟. وقامت عدد من الصحف والمجلات اللبنانية بعد ذلك بحملة إعلامية على سورية، كان من نتائج ذلك أن ساءت العلاقات بين الحكومتين "اللبنانية والسورية" (إثر امتناع الأولى عن تسليم القوميين المتهمين في مقتل المرحوم عدنان المالكي- مجلة الصياد أول أيلول 1955م).
وبتاريخ 5 تموز 1956 رفضت محكمة الاستئناف الطعن الذي تقدم به المتهمون، بالحكم، فأصبحت الأحكام نهائية، ولم يتبق سوى تصديق رئيس الجمهورية عليها لتصبح جاهزة للتنفيذ.
رفض الرئيس السوري شكري القوتلي التصديق على حكم الإعدام (لأن والدته كانت قد طلبت منه أن لا يوافق على إعدام أحد) وكان القوتلي ميالاً إلى تخفيف اثنين من أحكام الإعدام إلى السجن المؤبد، لكن ضغوط الجيش على الرئيس القوتلي كانت شديدة، فهدد القوتلي بالاستقالة وكان جاداً بذلك، الأمر الذي جعل الجيش يوافق على اقتراح شكري القوتلي بتشكيل هيئة خاصة تكونت من ثلاثة ضبّاط وثلاثة قضاة عُهد إليهم إعادة النظر في القضية، وتقديم توصياتهم بشأن أحكام الإعدام بصفة خاصة. وهكذا انتقل مصير المتهمين المحكوم عليهم بالإعدام إلى "هيئة غير شرعية لا تمت إلى القضاء بصلة " ونتيجة لقرار تلك الهيئة الاستثنائية تم تنفيذ الإعدام رمياً بالرصاص في 3/9/1956 باثنين من المحكوم عليهم بالإعدام فقط.
إعدام مخلوف والدبوسي:

بعد تصديق الرئيس السوري شكري القوتلي على قرارات المحكمة بعد عرضها على اللجنة التي شكلها لإعادة النظر في قرارات المحكمة، انتهى الأمر بالحكم بالإعدام على اثنين من المتهمين فقط وهم الوكيل "مساعد" في الجيش السوري بديع مخلوف "مواليد عام 1926م قرية بستان الباشا – اللاذقية"، والرقيب عبد المنعم الدبوسي من ملاك الشرطة العسكرية، وكان قد ألقي القبض عليهما عقب جريمة اغتيال عدنان المالكي وسُجنا وعُذبا وقُدّما إلى المحاكمة حيث أدانتهما بجريمة اغتيال المالكي، وفور صدور الحكم بالإعدام وتصديق الرئيس القوتلي عليه، صدرت الأوامر من الأركان العامة والعدلية العسكرية والنيابة العامة العسكرية بسرية شديدة بوجوب تنفيذ حكم الإعدام فوراً. وفي الصباح الباكر من يوم الاثنين 3 أيلول عام 1956 بدأ تنفيذ الاستعدادات والأوامر التي صدرت من الأركان والجهات العسكرية الأخرى، فاتخذ رئيس الشرطة العسكرية الإجراءات اللازمة ورتب عبد الحميد السراج والنائب العام العسكري المقدم محمد الجراح كافة الإجراءات اللازمة لتنفيذ حكم الإعدام. في الصباح الباكر من ذاك اليوم الموعود وبسرية تامة أُخرج مخلوف والدبوسي من سجن المزة من "الزنزانة" مكبلين بسلاسل الحديد إلى إحدى السيارات العسكرية التي كانت تنتظرهما ضمن موكب سيارات عسكرية في سجن المزة وسار الموكب المؤلف من عشرين سيارة وشاحنة عسكرية تتقدمهم السيارة العسكرية التي تقل المقدم الجراح لتنفيذ حكم الإعدام، ووصل الموكب إلى مدينة القنيطرة" وقيل قرية المنصورة " لتنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص.
أُنزل السجينان من السيارة ووضعا في المكان المخصص لتنفيذ الحكم، ونزل المكلفون بالإشراف على تنفيذ حكم الإعدام وهم المقدم بشير الطباع، عضو المحكمة العسكرية التي صدّرت الأحكام. والمقدم هشام العظم، آمر فوج الشرطة العسكرية، والمقدم محمد الجراح النائب العام العسكري. وحضر عن ضباط الجبهة الرائد جاسم علوان، وكان ضمن المرافقين لهذا الموكب عدد من عناصر الجيش الموكل لهم تنفيذ مهمة إطلاق النار على مخلوف والدبوسي وأحد الشيوخ، تلا المقدم الجراح على مسمعهما المرسوم القاضي بتنفيذ حكم الإعدام بحقهما، ومن ثم تقدم الشيخ منهما يسألهما عن آخر طلب يطلبونه وماذا يوصون أهلهم، وحسب ما يروي السوريون القوميون، فقد قال مخلوف (كل من في أمتي هم أهلي ولا طلب عندي ولا وصية سوى قضية أمتي..أريد مجد أمتي وعزها..أريد أن تكون كبيرة عزيزة بين الأمم" وردد عبارات زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة: "نحن جماعة نحب الحياة لأننا نحب الحرية ونحب الموت متى كان الموت طريقاً إلى الحياة"). واتجه الشيخ نحو منعم دبوسي وقال له: ماذا توصي يا منعم؟ فأجاب منعم: (لا أوصي إلا بما ذكره رفيقي بديع ولا أطلب إلا عز أمتي ومجدها".
وقاربت عقارب الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة من صباح ذلك اليوم عندما أمر الملازم عبد المجيد جمال الدين بإشارة بيده لعناصر الجيش بإطلاق الرصاص فدوّى أزيز الرصاص، أربع وعشرون طلقة أطلقت على جسدي مخلوف والدبوسي...
يقول عبد القادر العبيد من قيادي الحزب السوري القومي: (إنني سمعت من زوجة عبد المنعم الدبوسي "مطيعة بغدادي" مرة في فترة استراحة المحكمة قولها على لسان زوجها: "إنني أعرف أنني سأموت.. لا تسامحيني ذرة واحدة إذا كان لي علم من قريب أو بعيد في هذه الجريمة، وأستطيع أن أقول ذلك عن صديقي بديع مخلوف بكل ثقة.. وأمام الله والناس).
علمنا أن زوجة الدبوسي أوقفت فترة زمنية على ذمة التحقيق "وهي حامل في أيامها الأخيرة" ومن ثم أُطلق سراحها هي والجنين.
ويذكر العبيد عن بديع مخلوف: (لم يكن موجوداً في الملعب البلدي، بل كان يحضر فيلماً مع رفيق له في سينما السفراء بدمشق.)
دفن بديع مخلوف في بلدة بستان الباشا، في مدينة اللاذقية.
الخاتمة:
في القراءة المتأنية لآراء الكتاب والصحفيين والعسكريين والسياسيين الذين عاصروا قضية اغتيال الشهيد عدنان المالكي نقع في متاهات التساؤلات من قتل المالكي؟ هل انتحر القاتل عبد الرحيم؟ من قتل القاتل عبد الرحيم؟ هل تم إدانة وإعدام الدبوسي ومخلوف على أساس طائفي؟ ما هو دور مصر الشقيقة في كل ذلك؟ هل لبنان الشقيق الآخر كان في مهب ريح الجريمة؟ هل أميركا هي من خطط لهذه الجريمة ؟ لماذا استبعدت عن التحقيق شهادات أو إفادات لكبار الضبّاط الذين كانوا على المنصّة إلى جانب العقيد عدنان المالكي، لماذا اعتبروا خارج الحدث وخارج التاريخ؟ هل كان للحزب السوري القومي الاجتماعي اليد الطولى في هذه الجريمة؟ أم كان ضحية مؤامرة كبرى؟ أسئلة وأسئلة تُطرح وقصص وحكايا تروى!! ويبقى ملف الشهيد العقيد عدنان المالكي الضابط الدمشقي الوطني القومي المحبوب مفتوحاً، وخاصة أن أشقاء المالكي يملكون الوثائق والصور ولديهم الكثير!؟
لربما كان طلب الحزب السوري القومي الاجتماعي على حق حين طالب عدد من قادته بإعادة فتح ملف الجريمة وإعادة المحاكمة...
في الحلقات السابقة من (انتصر في "تل المالكي" وسقط بدمشق) حاولنا بقدر المستطاع إضاءة بعض الآراء والخفايا عن جريمة اغتيال المالكي ولنا في قول رسولنا العربي قدوة: "إن اجتهدت فأصبت فلك حسنتان، وإن أخطأت فلك حسنة واحدة ".
رحم الله عدنان المالكي: انتصر في تل المالكي وسقط بدمشق شهيداً...
المراجع:
كتاب أحاديث نزهة صباحية " يسرى الأيوبي - " كتاب ملف الانقلابات في الدول العربية المعاصرة " نبيل خليل " - كتاب سورية وحطام المراكب المتعثرة " نبيل شويري " – عبد الكريم النحلاوي فضائية الجزيرة برنامج " شاهد على العصر " و" بلا حدود " – كتاب التحدي والمواجهة " محمد الفرحاني – كتاب سورية جزيرة الحرية " عفيف البزري " - " كتاب أوراق صحفي - مذكرات وأحداث 1955- 1975 " هاني الشمعة " – كتاب المالكي رجل " رياض المالكي " – كتاب صفحات مجهولة من تاريخ سورية الحديث " عبد الهادي البكار " - أعداد مختلفة من صحيفة الشرق الأوسط – أعداد مختلف من مجلة الجندي الصادرة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي – أعداد مختلفة من مجلة الصياد الصادرة في الخمسينات من القرن الماضي – صحيفة النصر السورية العدد 3015 تاريخ 9 كانون الثاني 1955 م - صحيفة الفيحاء العدد 1653 تاريخ 17 أيلول 1955 - أعداد من مجلة القوات المسلحة المصرية - عدة مقالات للأستاذ عبد القادر العبيد - موقع الحزب السوري القومي الاجتماعي - كتاب جناية كبرى وطابور خامس "رياض المالكي" – أرشيفي الخاص.