بجهود عمالها وفنييها الذاتية.. شركة بردى للصناعات المعدنية تنتفض على الإرهاب وتعود للحياة
أخبار سورية
الخميس، ٢٨ أبريل ٢٠١٦
لم يكن ينقص الشركة العامة للصناعات المعدنية «بردى» سوى الإرهاب ليجهز على ما تبقى من آثار إنتاجها العريق ومبانيها من صالات العمل وخطوط الإنتاج
بعد سلسلة من الانكسارات التي تعرضت لها من جور الإدارات السابقة والديون المتراكمة عليها لمصلحة المصارف العامة وصعوبات تحصيل ديونها على الغير من شركات القطاع العام التي كانت تستجرّ منتجاتها، فالإرهاب أطاح بمركزها الرئيس في منطقة القدم تدميراً وسرقة لموادها الأولية التي تقدّر بملايين الليرات وتشتيت عمالها بين شركات القطاع العام ندباً أو انتقالاً نهائياً منها، وبين العمل فترة في قسم الصيانة التابع للشركة في البرامكة.
من تحت الأنقاض والخراب تحاول «بردى» بهمة وإصرار ما تبقى من عمالتها القليلة أن تنهض وتعود إلى السوق منافساً حقيقياً قد لا يرغب البعض من الجهات ذات المصالح الخاصة في عودتها المأمولة إلى السوق نظراً لانتشار صناعة البرادات والأدوات المنزلية من قبل القطاع الخاص بشكل كبير وبأسعار خيالية، ولاسيما أن قدرتها على المنافسة كبيرة وحظوظها أكبر فيما لو توافر لها الدعم اللازم والسيولة الكافية في ظل اعتمادها الكبير على موارد محلية وبعيداً عن الاستيراد الذي يستنزف القطع الأجنبي.
مع العمال
في جولة في أرجاء معمل القوالب التابع للشركة الواقع في منطقة لعام مضى كانت في أوج سخونتها في منطقة القدم- حوش بلاس على الطريق القديم اصطحبنا بها المدير العام الكيميائي سمير زاكياني وبمرافقة اللجنة النقابية، بدت آثار القذائف على المبنى والصالات واضحة وماثلة للعيان، حيث استطاع العمال وبإمكاناتهم الذاتية والمحدودة أن يحوّلوا المكان إلى واحة عمل وورشة تنبض بالحياة والحيوية، حيث يروي زاكياني كيف تمّ الدخول إلى المبنى عن طريق النوافذ وقيام العمال بإزالة الأنقاض ورفعها عن الآلات وترحيلها في ظروف عمل صعبة، وإعادة الحياة لآلات قديمة تراكم عليها غبار الزمن تعود في معظمها إلى ستينيات القرن الماضي على أيدي فنيي الشركة.
يروي أعضاء اللجنة النقابية ممثلو العمال وبعض العاملين حجم المعاناة الكبيرة التي واجهت العمل وكيفية ترحيل الأنقاض وأكوام الأتربة وترميم الأسقف والجدران التي طالتها قذائف الغدر وأحدثت فيها فتحات وتهدمات متعددة.
داخل مكاتب الإدارة حركة دؤوبة فوق الغبار والأوساخ التي ينشط العاملون لإعادة ترتيبها والاستقرار فيها من خلال تجميع كل العاملين من إداريين وشؤون العمل والإنتاج والتخطيط والجميع في مكان واحد حيث مدير الشركة ومعاونه يجمعهم مكتب متواضع وهاتف واحد مشترك، وكذلك بقية موظفي الإدارة رغم تواضع الإمكانات، إلا أن ذلك مهم لحسن سير العمل من وجهة نظر الإداريين وأعضاء اللجنة النقابية، حيث يؤكد رئيس وأعضاء اللجنة النقابية أنه لولا التعاون فيما بين العمال والإدارة لكانت الشركة في حكم الملغاة والتوقف النهائي، وبدعم من وزارة الصناعة استطاعت الشركة أن تحبو بالاستعانة بمركز البحوث الصناعية وجامعة دمشق للاستفادة من الدراسات والخبرات وتوظيفها في خدمة الشركة حتى تستطيع الوقوف على قدميها وفق الإمكانات المتواضعة والمحدودة.
البداية
بهمة وسواعد الفنيين والمهندسين في الشركة الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة كانت البداية كما يقول المدير العام بهدف المحافظة على «بردى» وسمعتها العريقة والحفاظ على اليد العاملة الخبيرة والمدربة فيها، بدأنا بالتفكير باللجوء للانتقال إلى معمل القوالب في حوش بلاس رغم وقوعه في منطقة ساخنة آنذاك والدخول إلى المعمل وتجهيز البنية التحتية بما لدينا من آلات قديمة وإعادة تجهيزها بخبرات مهندسينا وفنيينا والعمل على إنتاج وتصنيع القوالب ولو بنسب متواضعة.
وحالياً يقوم المهندسون محي الدين عيون وسليم أوتوز ومحمود المنجد والفني غسان زرزر وغيرهم بتصنيع القوالب بكل أنواعها لمصلحة القطاع العام وبهدف توطين هذه الصناعة في الشركة للحد من استيرادها وتخفيف الأعباء على الخزينة العامة للدولة وتوفيرها بإمكانات وموارد محلية وتحقيق ريعية وسيولة للشركة لتأمين مستلزمات الإنتاج في ظل العجز المالي وعدم توافر الأموال اللازمة للعمل.
كما يروي الفنيون كيف أعادوا الحياة للآلات القديمة ومخرطة مبرمجة ومخارط قديمة ومزالق سطحية وإزالة الصدأ عنها بهدف مساعدة شركة الإنشاءات المعدنية في تنفيذ عقودها الموقعة مع مؤسسة الكهرباء وتصنيع وإنشاء أبراج كهربائية لها بكامل مواصفاتها الفنية من بخ ودهان، حيث صنعت الشركة أبراجاً بما يعادل 327 طناً من الأبراج، إضافة إلى التعاون مع مؤسسة الإسكان العسكري لتنفيذ سكة إنتاج وتجميع البرادات والأفران لزوم الانطلاق بالإنتاج.
إقلاع خطوط الإنتاج
معاون المدير العام ومدير التخطيط المهندس محي الدين عيون يتحدث عن بدايات متواضعة ومشجعة من الإنتاج فيما لو توافر الدعم المالي اللازم، ويقول: وفق الإمكانات المتاحة تقوم الشركة بالتعاون مع شركة سيرونكس بإنتاج عبوات سعة 3 كالونات لمصلحة شركة دهانات أمية للمساهمة في إقلاع خطوط إنتاج الشركات العامة وتحقيق سيولة تشغيلية للشركة، وتشغيل اليد العاملة فيها، كما يتم حالياً إعداد خط إنتاج لتجميع الغسالة الآلية بالاعتماد على الموارد المحلية وتجهيز الدفعة الأولى 550 براد بردى 16 قدماً، ويتم الإعداد لمجموعة جديدة وهي مسوقة بالكامل لمصلحة مؤسسات التدخل الإيجابي وبأسعار منافسة، حيث يصل سعر البراد للمستهلك إلى 119 ألف ليرة.
وأضاف عيون: تم التخطيط للعام 2016 لإنتاج خمسة آلاف منتج تشمل إنتاج 2000 براد و2500 غسالة، إضافة إلى إنتاج 500 فرن، حيث أُنجز في شهر آذار 150 براداً جاهزاً في مستودع البضاعة الجاهزة للاستجرار من قبل سندس بموجب عقد مع الشركة، إضافة إلى وجود مكونات برادات ولوازم إنتاج لحوالي 550 براداً.
وأشار إلى أن خطة الشركة الاستثمارية تهدف لاستقدام ثلاث آلات: مخرطة مبرمجة، وماسح ضوئي، إضافة الى آلة حقن البلاستيك وهي قيد الدراسة والموافقة عليها في المؤسسة العامة للصناعات الهندسية، إضافة إلى أنه تم التعاقد لتوريد مكبسين قص بالسلك والحفر بالشرارة وهي قيد التوريد لزوم تنفيذ الخطة الإنتاجية وبما يساهم في محاولة إقلاع العمل في الشركة وتحقيق إنتاجية، حيث كانت الشركة في السابق تنتج مثلاً 50 ألف براد سنوياً وتراجعت إلى الحدود الدنيا إلى أن توقف الإنتاج نهائياً بعد دخول المسلحين إلى الشركة وتشتت عمالها.
صعوبات مزمنة
يُجمع العاملون في إدارة الشركة واللجنة النقابية إضافة إلى الفنيين أن صعوبات العمل والنهوض بالشركة وعودتها للإنتاج كسابق عهدها بعد أن أثقلت كاهلها الديون إضافة إلى الإرهاب الذي سرق ودمر معملها الرئيس يجمعون على ضرورة أن تقوم الجهات المعنية بالمساعدة في تحصيل ديون الشركة المترتبة على القطاع العام والغير، والبالغة –حسب زاكياني- 99 مليون ليرة، وتأمين الدعم المالي للشركة لكونها في مرحلة الإقلاع، ومساعدة الشركة في تسوية قروضها القديمة المترتبة عليها للمصرف التجاري السوري والمصرف الصناعي البالغة 327 مليون ليرة والفوائد والغرامات المترتبة على المبلغ التي أصبحت –حسب المدير العام للشركة- 1,3 مليار ليرة، ما يؤدي إلى وقوعها في عجز دائم رغم كل محاولاتها المتواضعة للعودة إلى الإنتاج.
وأوضح المدير العام أن محاولات تسوية القرض مع التجاري لم يكتب لها النجاح حيث قدمنا عرضاً للتسوية للمبالغ يقوم على دفع 2 مليون ليرة سنوياً+20% من أرباح أي عقد يتم تنفيذه من قبل الشركة، لكن التجاري أصرّ على أن تكون هذه الدفعات من كتلة القرض والفوائد المترتبة عليه وليس من أصل المبلغ، وكان الاعتراض من قبل الشركة أن هذه التسوية غير ذات جدوى لأن التسديدات والدفعات التي تسددها الشركة بموجب اقتراح التجاري تتآكل أمام الفوائد السنوية التي تترتب على طول فترة التسديد، وكذلك المصرف الصناعي، مع الإشارة إلى أن القروض المترتبة على الشركة تعود إلى حوالي عشر سنوات وأكثر كانت قد استجرتها الإدارات السابقة..!! كما تتمثل الصعوبات التي تواجه الشركة بضرورة عودة العاملين وتسوية أوضاعهم لدى الشركات المندبين إليها، إضافة إلى مساعدة الشركة بتأمين بعض مستلزمات الإنتاج لعدم توافر السيولة الكافية.
كما يوضح زاكياني أن مسألة الدين والقروض المتعثر سدادها تعوق عمليات فتح حسابات لدى هذه المصارف التي تعمد إلى مصادرتها بدعوى استيفاء ديونها، ما يعوق عملية التحويلات المالية وهي معضلة حقيقية، ذلك أن المبالغ التي تحصل عليها الشركة من إنتاجها المتواضع هي بأشد الحاجة إليها لتأمين السيولة لزوم العمل في ظل عدم وجود الدعم المالي.
مع الإشارة إلى أن الشركة تسعى إلى تحصيل الديون المترتبة على الغير من خلال تحصيل 11 مليون ليرة من المؤسسة العامة الاستهلاكية، إضافة إلى تحصيل 2 مليون ليرة من مؤسسة سندس وهي دائمة السعي والعمل لتحصيل ديونها لتؤمن السيولة اللازمة للتشغيل.
واقع العمالة
ومن الصعوبات التي تواجه الشركة تسرب العمالة الفنية والخبيرة التي اكتسبت مهارات لا يمكن تعويضها إلا عن طريق تأهيل وتدريب العمال ورفد الشركة بالأيدي الخبيرة والماهرة، وذلك نتيجة بلوغ معظم العمال السن القانونية، إضافة إلى التقاعد المبكر للعاملين، حيث تشير الأرقام إلى وجود 145 عاملاً وعاملة منهم على رأس عملهم 94 فقط و 51 منهم يعملون خارج الشركةحسب مدير الشؤون القانونية، إضافة إلى وجود 110 عمال تم ندبهم إلى شركات القطاع العام (الكابلات والزجاج) وإلى شركة الصناعات التحويلية، وذلك بعد أن تعرّض مبنى الشركة في السبينة الصغرى للتدمير والسرقة والحرق على أيدي العصابات الإرهابية المسلحة، مع الإشارة إلى أن كتلة رواتب وأجور العاملين الموجودين على رأس عملهم تبلغ شهرياً 7 ملايين ليرة تدفعها وزارة المالية ضمن شركات أخرى وصلت فيها الخسائر والعجز في موازناتها المالية إلى أن تقوم وزارة المالية بتسديد رواتب عمالها.
مشاهدات أولية
تشير إحدى المذكرات التي أُعدت بموجب قرار وزير الصناعة رقم وتاريخ 23/4/2015 المتضمن تشكيل لجنة فرعية لتحديد الأصول التي تعرضت للسرقة أو التلف أو الفقدان إثر استباحة المسلحين للشركة بتاريخ 17/7/2012، إلى أن اللجنة المشكلة لجرد وتحديد الأضرار قامت بزيارة إلى مقر الشركة الواقع في منطقة السبينة الصغرى، ولدى تجولها في الشركة تبيّن أن المنطقة غير آمنة، ولاحظت اللجنة أن الشركة تعرضت للدمار الكامل، ولدى المعاينة والاطلاع على الواقع لوحظ أن معظم الصالات فارغة من الآلات ولا يوجد سوى بعض الآلات التالفة التي تعرضت للتخريب والنهب وهي خاوية من المحركات الكهربائية والهيدروليكية والدارات الإلكترونية، ومن الصعب إعادة تأهيلها حالياً بسبب التكلفة المرتفعة لذلك، إضافة إلى أن الآلات القديمة لا يمكن إعادة تأهيلها لعدم توافر القطع التبديلية اللازمة لها، وقدّرت اللجنة نسبة الأضرار المادية بالآلات والمعدات بنسبة 95%، كما قدرت اللجنة الأضرار المادية من المباني والتجهيزات والبنية التحتية بنسبة 75%، وتبيّن كذلك وفق المشاهدات سرقة جميع المستودعات من المواد الأولية والبضاعة الجاهزة والأثاث والمكاتب والأسلاك الكهربائية والمحولات والمحطات التحويلية مسروقة بالكامل، وقدّرت اللجنة الأضرار فيها بنسبة 100%، إضافة إلى جميع القوالب التصنيعية والعدد والآلات والوقود، وتضرر قسم الدفاع المدني وتجهيزاته وقسم المخارط بنسبة 100%، كما لاحظت اللجنة أن مبنى الإدارة العامة مسروق بالكامل مع انهيار قسم من مبنى الإدارة، إضافة إلى تعرض الإدارة القديمة للسرقة والحرق بنسبة 100%، إضافة إلى تعرض قسم المخارط والضواغط الكهربائية وتحلية المياه وقسم الكهرباء والغسالات والحدادة وجميع الأقسام المساعدة للنهب والسرقة الكاملة وسرقة 33 سيارة وآلية، إضافة إلى تعرض دار الحضانة والمطعم للتخريب والسرقة بالكامل.
وأوضحت اللجنة في مشاهداتها الموثقة بفيلم فيديو أنها لم تتمكن من رؤية قسم المطاحن والضواغط، إضافة إلى إتلاف كل الوثائق المالية والحواسيب كاملة نتيجة الاعتداء الإرهابي على الشركة بتاريخ 18/7/2015.
وفي المحصلة
ورغم ما تعرضت له الشركة من اعتداءات إرهابية وغيرها من الصعوبات تحاول الآن النهوض من جديد وتنتفض من تحت الأنقاض بهمة 145 عاملاً يحاولون بشتى الوسائل المتاحة إعادة الألق لمنتج عريق لطالما كانت الصناعة السورية تتغنى به عبر عقود طويلة مضت، يعملون بصمت رغم ضياع الكثير من مكاسبهم وبعض الامتيازات التي عاد منها الوجبة الغذائية واللباس العمالي بجهود وإمكانات متواضعة و ما يحتاجونه فقط بعض من الدعم المادي.
معذى هناوي - تشرين
بعد سلسلة من الانكسارات التي تعرضت لها من جور الإدارات السابقة والديون المتراكمة عليها لمصلحة المصارف العامة وصعوبات تحصيل ديونها على الغير من شركات القطاع العام التي كانت تستجرّ منتجاتها، فالإرهاب أطاح بمركزها الرئيس في منطقة القدم تدميراً وسرقة لموادها الأولية التي تقدّر بملايين الليرات وتشتيت عمالها بين شركات القطاع العام ندباً أو انتقالاً نهائياً منها، وبين العمل فترة في قسم الصيانة التابع للشركة في البرامكة.
من تحت الأنقاض والخراب تحاول «بردى» بهمة وإصرار ما تبقى من عمالتها القليلة أن تنهض وتعود إلى السوق منافساً حقيقياً قد لا يرغب البعض من الجهات ذات المصالح الخاصة في عودتها المأمولة إلى السوق نظراً لانتشار صناعة البرادات والأدوات المنزلية من قبل القطاع الخاص بشكل كبير وبأسعار خيالية، ولاسيما أن قدرتها على المنافسة كبيرة وحظوظها أكبر فيما لو توافر لها الدعم اللازم والسيولة الكافية في ظل اعتمادها الكبير على موارد محلية وبعيداً عن الاستيراد الذي يستنزف القطع الأجنبي.
مع العمال
في جولة في أرجاء معمل القوالب التابع للشركة الواقع في منطقة لعام مضى كانت في أوج سخونتها في منطقة القدم- حوش بلاس على الطريق القديم اصطحبنا بها المدير العام الكيميائي سمير زاكياني وبمرافقة اللجنة النقابية، بدت آثار القذائف على المبنى والصالات واضحة وماثلة للعيان، حيث استطاع العمال وبإمكاناتهم الذاتية والمحدودة أن يحوّلوا المكان إلى واحة عمل وورشة تنبض بالحياة والحيوية، حيث يروي زاكياني كيف تمّ الدخول إلى المبنى عن طريق النوافذ وقيام العمال بإزالة الأنقاض ورفعها عن الآلات وترحيلها في ظروف عمل صعبة، وإعادة الحياة لآلات قديمة تراكم عليها غبار الزمن تعود في معظمها إلى ستينيات القرن الماضي على أيدي فنيي الشركة.
يروي أعضاء اللجنة النقابية ممثلو العمال وبعض العاملين حجم المعاناة الكبيرة التي واجهت العمل وكيفية ترحيل الأنقاض وأكوام الأتربة وترميم الأسقف والجدران التي طالتها قذائف الغدر وأحدثت فيها فتحات وتهدمات متعددة.
داخل مكاتب الإدارة حركة دؤوبة فوق الغبار والأوساخ التي ينشط العاملون لإعادة ترتيبها والاستقرار فيها من خلال تجميع كل العاملين من إداريين وشؤون العمل والإنتاج والتخطيط والجميع في مكان واحد حيث مدير الشركة ومعاونه يجمعهم مكتب متواضع وهاتف واحد مشترك، وكذلك بقية موظفي الإدارة رغم تواضع الإمكانات، إلا أن ذلك مهم لحسن سير العمل من وجهة نظر الإداريين وأعضاء اللجنة النقابية، حيث يؤكد رئيس وأعضاء اللجنة النقابية أنه لولا التعاون فيما بين العمال والإدارة لكانت الشركة في حكم الملغاة والتوقف النهائي، وبدعم من وزارة الصناعة استطاعت الشركة أن تحبو بالاستعانة بمركز البحوث الصناعية وجامعة دمشق للاستفادة من الدراسات والخبرات وتوظيفها في خدمة الشركة حتى تستطيع الوقوف على قدميها وفق الإمكانات المتواضعة والمحدودة.
البداية
بهمة وسواعد الفنيين والمهندسين في الشركة الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة كانت البداية كما يقول المدير العام بهدف المحافظة على «بردى» وسمعتها العريقة والحفاظ على اليد العاملة الخبيرة والمدربة فيها، بدأنا بالتفكير باللجوء للانتقال إلى معمل القوالب في حوش بلاس رغم وقوعه في منطقة ساخنة آنذاك والدخول إلى المعمل وتجهيز البنية التحتية بما لدينا من آلات قديمة وإعادة تجهيزها بخبرات مهندسينا وفنيينا والعمل على إنتاج وتصنيع القوالب ولو بنسب متواضعة.
وحالياً يقوم المهندسون محي الدين عيون وسليم أوتوز ومحمود المنجد والفني غسان زرزر وغيرهم بتصنيع القوالب بكل أنواعها لمصلحة القطاع العام وبهدف توطين هذه الصناعة في الشركة للحد من استيرادها وتخفيف الأعباء على الخزينة العامة للدولة وتوفيرها بإمكانات وموارد محلية وتحقيق ريعية وسيولة للشركة لتأمين مستلزمات الإنتاج في ظل العجز المالي وعدم توافر الأموال اللازمة للعمل.
كما يروي الفنيون كيف أعادوا الحياة للآلات القديمة ومخرطة مبرمجة ومخارط قديمة ومزالق سطحية وإزالة الصدأ عنها بهدف مساعدة شركة الإنشاءات المعدنية في تنفيذ عقودها الموقعة مع مؤسسة الكهرباء وتصنيع وإنشاء أبراج كهربائية لها بكامل مواصفاتها الفنية من بخ ودهان، حيث صنعت الشركة أبراجاً بما يعادل 327 طناً من الأبراج، إضافة إلى التعاون مع مؤسسة الإسكان العسكري لتنفيذ سكة إنتاج وتجميع البرادات والأفران لزوم الانطلاق بالإنتاج.
إقلاع خطوط الإنتاج
معاون المدير العام ومدير التخطيط المهندس محي الدين عيون يتحدث عن بدايات متواضعة ومشجعة من الإنتاج فيما لو توافر الدعم المالي اللازم، ويقول: وفق الإمكانات المتاحة تقوم الشركة بالتعاون مع شركة سيرونكس بإنتاج عبوات سعة 3 كالونات لمصلحة شركة دهانات أمية للمساهمة في إقلاع خطوط إنتاج الشركات العامة وتحقيق سيولة تشغيلية للشركة، وتشغيل اليد العاملة فيها، كما يتم حالياً إعداد خط إنتاج لتجميع الغسالة الآلية بالاعتماد على الموارد المحلية وتجهيز الدفعة الأولى 550 براد بردى 16 قدماً، ويتم الإعداد لمجموعة جديدة وهي مسوقة بالكامل لمصلحة مؤسسات التدخل الإيجابي وبأسعار منافسة، حيث يصل سعر البراد للمستهلك إلى 119 ألف ليرة.
وأضاف عيون: تم التخطيط للعام 2016 لإنتاج خمسة آلاف منتج تشمل إنتاج 2000 براد و2500 غسالة، إضافة إلى إنتاج 500 فرن، حيث أُنجز في شهر آذار 150 براداً جاهزاً في مستودع البضاعة الجاهزة للاستجرار من قبل سندس بموجب عقد مع الشركة، إضافة إلى وجود مكونات برادات ولوازم إنتاج لحوالي 550 براداً.
وأشار إلى أن خطة الشركة الاستثمارية تهدف لاستقدام ثلاث آلات: مخرطة مبرمجة، وماسح ضوئي، إضافة الى آلة حقن البلاستيك وهي قيد الدراسة والموافقة عليها في المؤسسة العامة للصناعات الهندسية، إضافة إلى أنه تم التعاقد لتوريد مكبسين قص بالسلك والحفر بالشرارة وهي قيد التوريد لزوم تنفيذ الخطة الإنتاجية وبما يساهم في محاولة إقلاع العمل في الشركة وتحقيق إنتاجية، حيث كانت الشركة في السابق تنتج مثلاً 50 ألف براد سنوياً وتراجعت إلى الحدود الدنيا إلى أن توقف الإنتاج نهائياً بعد دخول المسلحين إلى الشركة وتشتت عمالها.
صعوبات مزمنة
يُجمع العاملون في إدارة الشركة واللجنة النقابية إضافة إلى الفنيين أن صعوبات العمل والنهوض بالشركة وعودتها للإنتاج كسابق عهدها بعد أن أثقلت كاهلها الديون إضافة إلى الإرهاب الذي سرق ودمر معملها الرئيس يجمعون على ضرورة أن تقوم الجهات المعنية بالمساعدة في تحصيل ديون الشركة المترتبة على القطاع العام والغير، والبالغة –حسب زاكياني- 99 مليون ليرة، وتأمين الدعم المالي للشركة لكونها في مرحلة الإقلاع، ومساعدة الشركة في تسوية قروضها القديمة المترتبة عليها للمصرف التجاري السوري والمصرف الصناعي البالغة 327 مليون ليرة والفوائد والغرامات المترتبة على المبلغ التي أصبحت –حسب المدير العام للشركة- 1,3 مليار ليرة، ما يؤدي إلى وقوعها في عجز دائم رغم كل محاولاتها المتواضعة للعودة إلى الإنتاج.
وأوضح المدير العام أن محاولات تسوية القرض مع التجاري لم يكتب لها النجاح حيث قدمنا عرضاً للتسوية للمبالغ يقوم على دفع 2 مليون ليرة سنوياً+20% من أرباح أي عقد يتم تنفيذه من قبل الشركة، لكن التجاري أصرّ على أن تكون هذه الدفعات من كتلة القرض والفوائد المترتبة عليه وليس من أصل المبلغ، وكان الاعتراض من قبل الشركة أن هذه التسوية غير ذات جدوى لأن التسديدات والدفعات التي تسددها الشركة بموجب اقتراح التجاري تتآكل أمام الفوائد السنوية التي تترتب على طول فترة التسديد، وكذلك المصرف الصناعي، مع الإشارة إلى أن القروض المترتبة على الشركة تعود إلى حوالي عشر سنوات وأكثر كانت قد استجرتها الإدارات السابقة..!! كما تتمثل الصعوبات التي تواجه الشركة بضرورة عودة العاملين وتسوية أوضاعهم لدى الشركات المندبين إليها، إضافة إلى مساعدة الشركة بتأمين بعض مستلزمات الإنتاج لعدم توافر السيولة الكافية.
كما يوضح زاكياني أن مسألة الدين والقروض المتعثر سدادها تعوق عمليات فتح حسابات لدى هذه المصارف التي تعمد إلى مصادرتها بدعوى استيفاء ديونها، ما يعوق عملية التحويلات المالية وهي معضلة حقيقية، ذلك أن المبالغ التي تحصل عليها الشركة من إنتاجها المتواضع هي بأشد الحاجة إليها لتأمين السيولة لزوم العمل في ظل عدم وجود الدعم المالي.
مع الإشارة إلى أن الشركة تسعى إلى تحصيل الديون المترتبة على الغير من خلال تحصيل 11 مليون ليرة من المؤسسة العامة الاستهلاكية، إضافة إلى تحصيل 2 مليون ليرة من مؤسسة سندس وهي دائمة السعي والعمل لتحصيل ديونها لتؤمن السيولة اللازمة للتشغيل.
واقع العمالة
ومن الصعوبات التي تواجه الشركة تسرب العمالة الفنية والخبيرة التي اكتسبت مهارات لا يمكن تعويضها إلا عن طريق تأهيل وتدريب العمال ورفد الشركة بالأيدي الخبيرة والماهرة، وذلك نتيجة بلوغ معظم العمال السن القانونية، إضافة إلى التقاعد المبكر للعاملين، حيث تشير الأرقام إلى وجود 145 عاملاً وعاملة منهم على رأس عملهم 94 فقط و 51 منهم يعملون خارج الشركةحسب مدير الشؤون القانونية، إضافة إلى وجود 110 عمال تم ندبهم إلى شركات القطاع العام (الكابلات والزجاج) وإلى شركة الصناعات التحويلية، وذلك بعد أن تعرّض مبنى الشركة في السبينة الصغرى للتدمير والسرقة والحرق على أيدي العصابات الإرهابية المسلحة، مع الإشارة إلى أن كتلة رواتب وأجور العاملين الموجودين على رأس عملهم تبلغ شهرياً 7 ملايين ليرة تدفعها وزارة المالية ضمن شركات أخرى وصلت فيها الخسائر والعجز في موازناتها المالية إلى أن تقوم وزارة المالية بتسديد رواتب عمالها.
مشاهدات أولية
تشير إحدى المذكرات التي أُعدت بموجب قرار وزير الصناعة رقم وتاريخ 23/4/2015 المتضمن تشكيل لجنة فرعية لتحديد الأصول التي تعرضت للسرقة أو التلف أو الفقدان إثر استباحة المسلحين للشركة بتاريخ 17/7/2012، إلى أن اللجنة المشكلة لجرد وتحديد الأضرار قامت بزيارة إلى مقر الشركة الواقع في منطقة السبينة الصغرى، ولدى تجولها في الشركة تبيّن أن المنطقة غير آمنة، ولاحظت اللجنة أن الشركة تعرضت للدمار الكامل، ولدى المعاينة والاطلاع على الواقع لوحظ أن معظم الصالات فارغة من الآلات ولا يوجد سوى بعض الآلات التالفة التي تعرضت للتخريب والنهب وهي خاوية من المحركات الكهربائية والهيدروليكية والدارات الإلكترونية، ومن الصعب إعادة تأهيلها حالياً بسبب التكلفة المرتفعة لذلك، إضافة إلى أن الآلات القديمة لا يمكن إعادة تأهيلها لعدم توافر القطع التبديلية اللازمة لها، وقدّرت اللجنة نسبة الأضرار المادية بالآلات والمعدات بنسبة 95%، كما قدرت اللجنة الأضرار المادية من المباني والتجهيزات والبنية التحتية بنسبة 75%، وتبيّن كذلك وفق المشاهدات سرقة جميع المستودعات من المواد الأولية والبضاعة الجاهزة والأثاث والمكاتب والأسلاك الكهربائية والمحولات والمحطات التحويلية مسروقة بالكامل، وقدّرت اللجنة الأضرار فيها بنسبة 100%، إضافة إلى جميع القوالب التصنيعية والعدد والآلات والوقود، وتضرر قسم الدفاع المدني وتجهيزاته وقسم المخارط بنسبة 100%، كما لاحظت اللجنة أن مبنى الإدارة العامة مسروق بالكامل مع انهيار قسم من مبنى الإدارة، إضافة إلى تعرض الإدارة القديمة للسرقة والحرق بنسبة 100%، إضافة إلى تعرض قسم المخارط والضواغط الكهربائية وتحلية المياه وقسم الكهرباء والغسالات والحدادة وجميع الأقسام المساعدة للنهب والسرقة الكاملة وسرقة 33 سيارة وآلية، إضافة إلى تعرض دار الحضانة والمطعم للتخريب والسرقة بالكامل.
وأوضحت اللجنة في مشاهداتها الموثقة بفيلم فيديو أنها لم تتمكن من رؤية قسم المطاحن والضواغط، إضافة إلى إتلاف كل الوثائق المالية والحواسيب كاملة نتيجة الاعتداء الإرهابي على الشركة بتاريخ 18/7/2015.
وفي المحصلة
ورغم ما تعرضت له الشركة من اعتداءات إرهابية وغيرها من الصعوبات تحاول الآن النهوض من جديد وتنتفض من تحت الأنقاض بهمة 145 عاملاً يحاولون بشتى الوسائل المتاحة إعادة الألق لمنتج عريق لطالما كانت الصناعة السورية تتغنى به عبر عقود طويلة مضت، يعملون بصمت رغم ضياع الكثير من مكاسبهم وبعض الامتيازات التي عاد منها الوجبة الغذائية واللباس العمالي بجهود وإمكانات متواضعة و ما يحتاجونه فقط بعض من الدعم المادي.
معذى هناوي - تشرين