تأرجح موجع بين الحقيقة المرة و”قشة خلاص” الدجالين… مرضى التوحد .. معاناة كبيرة لأسرهم وجهات معنية تدّعي الاهتمام وتُدير ظهرها لهم
أخبار سورية
الخميس، ١٠ مارس ٢٠١٦
بعث لي أحد الأصدقاء “فيديو” عن اتصال إحدى القنوات بالدكتورة هيفاء كيالي الطبيبة السورية التي أوجدت علاجاً لمرض التوحد بحمية غذائية خاصة بها، لتؤكد من خلال لقائها أنها عالجت أكثر من حالة مرضية، وقصة الطفلين اللذين تمت معالجتهما منتشرة على الانترنت، وانتهى الفيديو لأكتشف أنه من عام 2011 ، ولكنه لم ينته في داخلي، فقد حثني إلى البحث والاستقصاء عن حقيقة ما سمعت ورأيت، وأرّقتني فكرة وجود طبيبة سورية اكتشفت علاجاً لمرض عجز عنه العالم، فلم يؤخذ بيدها، ولم يتم اعتماد طريقتها لتشفي آلاف الأطفال من مرضهم، من قبل وزارة الصحة أو الجهات المعنية في البلد، خاصةً مرض التوحد الذي يُعد من الأمراض التي تشكل تحدياً كبيراً في المجتمع الطبي، حيث إن السبب الرئيسي للمرض غير معروف، لكن العوامل الوراثية تلعب دوراً مهماً، بالإضافة إلى العوامل الكيميائية والعضوية، يُعتبر التأثير الأساسي للمرض هو التأثير على نمو المخ، ما يترك انعكاسه السلبي على الحياة الاجتماعية وتطور مهارات التواصل عند الشخص المصاب، بالإضافة إلى الاضطرابات السلوكية وتغيّر في نمط النوم وغيرها من الأعراض الهامة التي تنعكس سلباً على كامل الأسرة،
لذلك حاولنا تقديم بحث متكامل عن واقع هذا المرض ونسبة تواجده في سورية وحقيقة الشفاء والعلاج منه؟.
انتحال صفة طبيبة
وخلال بحثي واستقصائي عن الدكتورة هيفاء كيالي وعناوينها التي لم نجد ما يوصلنا بها، اتصلنا بنقابة الأطباء في دمشق وريفها، لتبيّن لنا عدم وجود اسمها في سجلات الأطباء، ما يعني أنها قد تكون أخصائية تغذية، أو انتحلت صفة “طبيبة” لاستغلال الصفة لأهداف شخصية وربحية، وفي الواقع لم يكن اتصالي بنقابة الأطباء عابراً، بل كان لي فرصة التعرف من أحمد العساف الذي يعاني نفس معاناة كل الآباء بوجود طفل لديه مصاب بالتوحد، ليكلّمنا بكثير من الشجن عن حالة ابنه، حيث تم تشخيص مرضه في الرابعة من عمره، ما يمكن لنا أن نتخيّل صدمة الأهل بولادة طفل معافى وسليم، ولا يدل شكله على أية حالات خاصة لديه، بل يملك جمالاً ودماثة تقربه من قلوب من يراه، إلّا أن العساف يملك من الآهات ما يحرق الأنفاس لمشقة مسيرة العلاج لابنه، فمن الحمية الغذائية التي طرحتها “المدعوة د. هيفاء كيالي” والتي يجزم صعوبة تطبيقها على مريض التوحد لما لديه من سلوكيات عدوانية، والتي تزيد عند حرمانه من أشيائه الخاصة بما فيها الغذاء الذي يحبه، إلى مراجعته لمنظمة “آمال ” المنظمة السورية للمعوقين وعن صعوبات التواصل معهم، فيضيف: إنه لم يستفد من تلك الخدمات المزعومة في المنظمة وأقلها قدرته على تحديد موعد لابنه بما يتناسب مع وقته كموظف، حيث راجعهم بما يقارب العشر مرات، ولم يجد نفعاً إصراره على منح ابنه فرصة الدخول والاستفادة من المنظمة أمام إهمالهم للكثير من الحالات وعدم تفاعلهم مع الأهل، ولم نجزم بإهمالهم إلا بعد محاولاتنا الاتصال بهم العديد من المرات لتحديد موعد نستطيع من خلاله لقاء من يمثلها مما أخّر إنجاز التحقيق، وإلقاء الضوء على المنظمة وقوانينها وما بداخلها، ليكون العذر في كل الإجابات هو “الاجتماع” الذي يشمل كل الطواقم كامل أوقات الدوام ليمنعهم من التواصل مع الصحافة، فمن هي منظمة “آمال”، ولماذا لا تتعاون مع الصحافة، وماذا تخفي خلف أبوابها المغلقة في وجه من يريد استطلاع واقعها؟ سؤال برسم الجهات المختصة؟.
حجم المعاناة
وبالعودة إلى واقع مرضى التوحد، تنبئنا حال العيادات العصبية المكتظة بالمرضى وأهاليهم عن هذا الواقع المرير، حيث تقول أم علي: تم تشخيص حالة ابني على أنها مرض “التوحد” منذ الأشهر الأولى من ولادته، وقد عانينا الأمرين على مستوى الأسرة والصعيد المادي من محاولات فاشلة لمعالجته، ولم ننجح، فجميع الأطباء أكدوا عدم وجود علاج فعال لهذا المرض، وأقصى ما يمكننا فعله هو مساعدته عن طريق تعلّم بعض السلوكيات التي تخفف توتره، وتمتص عصبيته، وليس بأيدينا إلا الصبر على حالته، والتعامل معه بلطف، وأكملت أم علي وعينها على ابنها لا تغفل عنه لحظة واحدة، لخوفها من تصرف يؤذي نفسه به، حدثتنا عن البرامج والحميات الغذائية التي انتشرت على الأنترنت، ووصفات عربية قديمة تعتمد على الطب البديل، ومنها حمية “هيفاء كيالي” التي انتشرت مؤخراً، وهي حمية تعتمد على اليقطين، والجوز، وخالية من الحليب والقمح، والتي زادت وضعه سوءاً، فعدنا به إلى طبيبه الخاص لمتابعة علاجه الدوائي، وها نحن نجرب كل ما نسمع عنه بأنه يفيد حالته، علّ العلي القدير يشفيه لنا.
خلل في تركيب الشخصية
هو اضطرابات شديدة تفيد تشكّل تركيب الشخصية لدى الطفل، ما يؤدي إلى خلل واضطراب عميق في تنظيم علاقته مع العالم الخارجي، بهذا التعريف للمرض بدأ الدكتور حسين طليعة، اختصاصي عصبية، حديثه معنا، متابعاً بأن مريض التوحد يتميز بشكل أساسي بظهور حالات انطواء مع اضطراب في التطور الإدراكي والذكاء الاجتماعي واللغة، وكذلك ظهور حركات نمطية متكررة لاإرادية وغير هادفة، قد يكون الطفل طبيعي الشكل، لكن هناك أشكالاً ثانوية لإصابات مرضية وراثية أو استقلابية فيها سمات التوحد مثل: “تناذر انجل مان”.
علاج نوعي
يؤكد د. حسين طليعة على أنه لا توجد معالجة نوعية، وإنما ترتكز خطة العلاج على معالجة التظاهرات الثانوية المرافقة، حيث تعتمد المعالجة بشكل رئيس على تعديل السلوك لدى الطفل مثل: العدوانية، والعنف، وفرط الحركة، واضطرابات النوم، حيث تكون المعالجات الدوائية بهذا المضمار.
نداء هام
حاولنا البحث عن إحصائيات للمرض، ونسبة شيوعه على مستوى القطر، فلم نجد بالرغم من تأكيد د. طليعة على أن مرض التوحد شائع أكثر مما يتوقع، ويقارب من 1 إلى 2% في سورية، ولا توجد حالات وقائية منه إلا بتحسين الظروف الاجتماعية كإعطاء الطفولة حقها، وعدم ترك الطفل وحيداً أمام التلفاز، وفي سؤال عن حالات الشفاء، وضّح د. طليعة بأنه لا توجد حالات شفاء من التوحد، ولكن في حالات الكشف المبكر، ووضع الطفل على برنامج تأهيل وتعديل السلوك، يخطو الطفل المصاب خطوات جبارة باتجاه سمات الطفل السليم، ووجّه د. طليعة نداء هاماً إلى المعنيين في وزارة الصحة لتسليط الضوء على هذا المرض وأهميته، كونه يؤدي إلى إعاقة عقلية، بالإضافة إلى مشاكل عائلية.
التوحد وعلاقته بالجهاز الهضمي
وفي سؤالنا عن الحميات الشائعة كحمية مشتقات الحليب، وأساليب الطب البديل، أكد لنا د. طليعة بأنها غير مثبتة علمياً، وإن كانت لها نتائج إفرادية، فهي بسبب وجود تحسس لدى الطفل بالذات، وليست معالجة للتوحد، وهذا ما أكدته أيضاً الدكتورة محار زيود، اختصاصية التغذية، والتي شدّدت على أن الحميات الغذائية تعالج الأعراض الهضمية المرافقة لمرض التوحد، فتحسن من حالة الطفل المريض وسلوكيته، إلا أنها لا تشفيه، خاصة الأعراض الهضمية المرافقة للمرض من: إسهال، إمساك، نفخة، والتهابات معوية متكررة، الأمر الذي يؤكد أن مرض التوحد هو مرض جهازي أكثر من كونه مرضاً يصيب الدماغ حصراً، ما يؤكد أيضاً العلاقة الوطيدة بين صحة الجهاز الهضمي وصحة الدماغ.
التوحد والتدخل الغذائي
من هنا تأتي أهمية التغذية كوسيلة لدعم جهاز هضمي صحي، ما يعتبر أولوية في علاج مرض التوحد، وأشارت د. زيود إلى الحميات الغذائية المنتشرة كعلاج لمرضى التوحد، وأكثرها تطبيقاً وفعالية، أو بمعنى أدق التي نُصح باعتمادها عند البدء بتطبيق نظام غذائي لمريض التوحد، وهي الحمية الخالية من بروتين الحليب المسمى كازيئين، وبروتين القمح المسمى غلوتين، (أي حذف جميع منتجات الحليب والألبان من النظام الغذائي، بالإضافة إلى جميع مصادر الغلوتين وهي القمح والشعير والجاودار، بالإضافة إلى الشوفان وهي الحمية المعروفة للداء الزلاقي) وذلك كون هذه المكونات تحدث استجابة غير طبيعية في الأمعاء، وتؤهب لحدوث ارتكاس التهابي ينعكس سلباً على صحة الدماغ.
حميات غذائية
الخيار الثاني والذي يتبع عند عدم ملاحظة أي تحسن عند اعتماد الحمية السابقة ولفترة زمنية جيدة، برأي د. زيود هو الحمية عن النشويات والسكريات بشكل خاص ما عدا سكر الفواكه والعسل والسماح باللحم بأنواعه، البيض، البقوليات، البذور، المكسرات، جميع الخضروات غير النشوية بالإضافة إلى الفواكه، وقد أظهرت تأثيراً إيجابياً عند وجود قصة التهابات معوية أو إسهال وإمساك مزمنين، وأوردت د. زيود الخيار الثالث هو الحمية التي تحارب وجود الفطريات في الأمعاء وأساسها هو حذف السكريات بالمطلق وتخفيف النشويات، بالإضافة إلى الأطعمة المنتجة للحمض وزيادة الأطعمة المتخمرة، أي تخلق الوسط القلوي عبر الجمع بين الخضار مع النشويات أو الخضار مع اللحوم ولا تسمح باللحوم مع النشويات، وكان لها تأثير إيجابي أيضاً، بالإضافة إلى ما سبق ذكره هناك حميات أساسها حذف مكونات معينة بعد ثبات تأثيرها على زيادة حدة الأعراض مثل الفينولات، الساليسات، الأمينات والأوكزالات.
برامج علاجية للأسرة
يبدو طفل التوحد، حسب أخصائي علم الاجتماع، طفلاً مميزاً وليس معاقاً كما يصنفه الطب ، فالدكتور طلال مصطفى اختصاص علم اجتماع يقول إنه طفل طبيعي يُظهر اهتماماً بالأشياء المدركة بالحواس، بما يعني أنه يتعامل مع الأشخاص كالأشياء الجامدة، وهو لا يبدي رغبة للتعرف على الأشخاص الجدد وسماعهم، مما يفقده الإحساس العاطفي، ويضيف ..في تشخيص مريض التوحد أنه يعاني بعض الصعوبات في العلاقات الاجتماعية وصعوبات في القدرات اللغوية، كما أنه يُظهر سلوكاً استحواذياً كعدم قدرته على التفاعل مع الآخرين، ودائماً مريض التوحد ينسحب من العلاقات الاجتماعية ويتقوقع بعالمه الخاص، وفي مضمار المعالجة الاجتماعية التي يجب أن يتلقاها مريض التوحد ويصر د. مصطفى على وجود برامج علاجية اجتماعية تستهدف الأسرة بأكملها لتتجاوز العوائق النفسية التي تعاني منها بوجود طفل مريض لديها، فأكثر الأسر تخفي أمر وجود طفل معاق بشكل عام خجلاً من المجتمع، ما يحرمه من تلقي العلاج اللازم له، فتسوء حالته الصحية وحالة الأسرة النفسية، فالبرامج الموجهة إلى الأسرة هي الخطوة الأولى في معالجة المريض، وقد تعتمد بعض البرامج على تأهيل الأم أو الأب ليقدم بدوره العلاج الاجتماعي السلوكي للطفل المعاق، مؤكداً حصولنا على نتيجة أفضل.
العلاج بالاحتضان
هناك برامج علاجية اجتماعية نفسية كثيرة، تعتمد في معالجة التوحد كالعلاج باللعب، حيث يؤكد فعاليته د. مصطفى في معرفة ميول الطفل وتنمية مواهبه، وهو برنامج قادر على صنع مبدعين منهم، والعلاج بالاحتضان من أهم العلاجات الحديثة، التي لها صدى إيجابي يدفع الطفل إلى التصالح مع نفسه ويستطيع المعالج تخليص مريض التوحد من الاضطراب والهيجان بالموسيقى، والعلاج البيئي، وهي مجموعة علاجات تحتاج إلى تدريب وتأهيل وتعتمد على الأهل في تنفيذها للوصول إلى نتائج مرضية وهامة.
حقيقة أم إشاعة
في أحد الحوارات الموجودة على شبكة الانترنت، قال أحد المتحدثين من أهم طرق العلاج والمعترف فيها في كثير من الدول، هي طريقة العلاج بإعطاء المريض إبرة خلاصة الجنين، وهناك مستشفيان اثنان في العالم يقومان بهذه الطريقة في العلاج، أحدهما في كوستريكا، والآخر في الصين، ويحتاج المريض لست ابر ولمدة شهر، تتراوح تكلفة العلاج ما بين عشرين ألف دولار، وفي كوستريكا أرخص، الابرة تعطى بين الأصابع وتقوم ببناء أنسجة دماغ وتنشيط أخرى خاملة، إلا أن هذا العلاج غير متوفر في الدول الأوروبية، يبقى أن نقول إن مرضى التوحد هم حالة خاصة تستوجب منا البحث والاطلاع الدائم لمساعدتهم وأسرهم في تجاوز عوائق المرض لدمجهم في المجتمع وتعليمهم مهناً تقيهم شر الحاجة، وهو دور وزارة الشؤون الاجتماعية التي لا تقدم لهم سوى وثيقة تؤكد أنهم معاقون لمساعدتهم بدلاً من احتوائهم في كنفها، وتعليمهم ما يشد من أزرهم أمام مواجهات الحياة.
فاتن شنان
لذلك حاولنا تقديم بحث متكامل عن واقع هذا المرض ونسبة تواجده في سورية وحقيقة الشفاء والعلاج منه؟.
انتحال صفة طبيبة
وخلال بحثي واستقصائي عن الدكتورة هيفاء كيالي وعناوينها التي لم نجد ما يوصلنا بها، اتصلنا بنقابة الأطباء في دمشق وريفها، لتبيّن لنا عدم وجود اسمها في سجلات الأطباء، ما يعني أنها قد تكون أخصائية تغذية، أو انتحلت صفة “طبيبة” لاستغلال الصفة لأهداف شخصية وربحية، وفي الواقع لم يكن اتصالي بنقابة الأطباء عابراً، بل كان لي فرصة التعرف من أحمد العساف الذي يعاني نفس معاناة كل الآباء بوجود طفل لديه مصاب بالتوحد، ليكلّمنا بكثير من الشجن عن حالة ابنه، حيث تم تشخيص مرضه في الرابعة من عمره، ما يمكن لنا أن نتخيّل صدمة الأهل بولادة طفل معافى وسليم، ولا يدل شكله على أية حالات خاصة لديه، بل يملك جمالاً ودماثة تقربه من قلوب من يراه، إلّا أن العساف يملك من الآهات ما يحرق الأنفاس لمشقة مسيرة العلاج لابنه، فمن الحمية الغذائية التي طرحتها “المدعوة د. هيفاء كيالي” والتي يجزم صعوبة تطبيقها على مريض التوحد لما لديه من سلوكيات عدوانية، والتي تزيد عند حرمانه من أشيائه الخاصة بما فيها الغذاء الذي يحبه، إلى مراجعته لمنظمة “آمال ” المنظمة السورية للمعوقين وعن صعوبات التواصل معهم، فيضيف: إنه لم يستفد من تلك الخدمات المزعومة في المنظمة وأقلها قدرته على تحديد موعد لابنه بما يتناسب مع وقته كموظف، حيث راجعهم بما يقارب العشر مرات، ولم يجد نفعاً إصراره على منح ابنه فرصة الدخول والاستفادة من المنظمة أمام إهمالهم للكثير من الحالات وعدم تفاعلهم مع الأهل، ولم نجزم بإهمالهم إلا بعد محاولاتنا الاتصال بهم العديد من المرات لتحديد موعد نستطيع من خلاله لقاء من يمثلها مما أخّر إنجاز التحقيق، وإلقاء الضوء على المنظمة وقوانينها وما بداخلها، ليكون العذر في كل الإجابات هو “الاجتماع” الذي يشمل كل الطواقم كامل أوقات الدوام ليمنعهم من التواصل مع الصحافة، فمن هي منظمة “آمال”، ولماذا لا تتعاون مع الصحافة، وماذا تخفي خلف أبوابها المغلقة في وجه من يريد استطلاع واقعها؟ سؤال برسم الجهات المختصة؟.
حجم المعاناة
وبالعودة إلى واقع مرضى التوحد، تنبئنا حال العيادات العصبية المكتظة بالمرضى وأهاليهم عن هذا الواقع المرير، حيث تقول أم علي: تم تشخيص حالة ابني على أنها مرض “التوحد” منذ الأشهر الأولى من ولادته، وقد عانينا الأمرين على مستوى الأسرة والصعيد المادي من محاولات فاشلة لمعالجته، ولم ننجح، فجميع الأطباء أكدوا عدم وجود علاج فعال لهذا المرض، وأقصى ما يمكننا فعله هو مساعدته عن طريق تعلّم بعض السلوكيات التي تخفف توتره، وتمتص عصبيته، وليس بأيدينا إلا الصبر على حالته، والتعامل معه بلطف، وأكملت أم علي وعينها على ابنها لا تغفل عنه لحظة واحدة، لخوفها من تصرف يؤذي نفسه به، حدثتنا عن البرامج والحميات الغذائية التي انتشرت على الأنترنت، ووصفات عربية قديمة تعتمد على الطب البديل، ومنها حمية “هيفاء كيالي” التي انتشرت مؤخراً، وهي حمية تعتمد على اليقطين، والجوز، وخالية من الحليب والقمح، والتي زادت وضعه سوءاً، فعدنا به إلى طبيبه الخاص لمتابعة علاجه الدوائي، وها نحن نجرب كل ما نسمع عنه بأنه يفيد حالته، علّ العلي القدير يشفيه لنا.
خلل في تركيب الشخصية
هو اضطرابات شديدة تفيد تشكّل تركيب الشخصية لدى الطفل، ما يؤدي إلى خلل واضطراب عميق في تنظيم علاقته مع العالم الخارجي، بهذا التعريف للمرض بدأ الدكتور حسين طليعة، اختصاصي عصبية، حديثه معنا، متابعاً بأن مريض التوحد يتميز بشكل أساسي بظهور حالات انطواء مع اضطراب في التطور الإدراكي والذكاء الاجتماعي واللغة، وكذلك ظهور حركات نمطية متكررة لاإرادية وغير هادفة، قد يكون الطفل طبيعي الشكل، لكن هناك أشكالاً ثانوية لإصابات مرضية وراثية أو استقلابية فيها سمات التوحد مثل: “تناذر انجل مان”.
علاج نوعي
يؤكد د. حسين طليعة على أنه لا توجد معالجة نوعية، وإنما ترتكز خطة العلاج على معالجة التظاهرات الثانوية المرافقة، حيث تعتمد المعالجة بشكل رئيس على تعديل السلوك لدى الطفل مثل: العدوانية، والعنف، وفرط الحركة، واضطرابات النوم، حيث تكون المعالجات الدوائية بهذا المضمار.
نداء هام
حاولنا البحث عن إحصائيات للمرض، ونسبة شيوعه على مستوى القطر، فلم نجد بالرغم من تأكيد د. طليعة على أن مرض التوحد شائع أكثر مما يتوقع، ويقارب من 1 إلى 2% في سورية، ولا توجد حالات وقائية منه إلا بتحسين الظروف الاجتماعية كإعطاء الطفولة حقها، وعدم ترك الطفل وحيداً أمام التلفاز، وفي سؤال عن حالات الشفاء، وضّح د. طليعة بأنه لا توجد حالات شفاء من التوحد، ولكن في حالات الكشف المبكر، ووضع الطفل على برنامج تأهيل وتعديل السلوك، يخطو الطفل المصاب خطوات جبارة باتجاه سمات الطفل السليم، ووجّه د. طليعة نداء هاماً إلى المعنيين في وزارة الصحة لتسليط الضوء على هذا المرض وأهميته، كونه يؤدي إلى إعاقة عقلية، بالإضافة إلى مشاكل عائلية.
التوحد وعلاقته بالجهاز الهضمي
وفي سؤالنا عن الحميات الشائعة كحمية مشتقات الحليب، وأساليب الطب البديل، أكد لنا د. طليعة بأنها غير مثبتة علمياً، وإن كانت لها نتائج إفرادية، فهي بسبب وجود تحسس لدى الطفل بالذات، وليست معالجة للتوحد، وهذا ما أكدته أيضاً الدكتورة محار زيود، اختصاصية التغذية، والتي شدّدت على أن الحميات الغذائية تعالج الأعراض الهضمية المرافقة لمرض التوحد، فتحسن من حالة الطفل المريض وسلوكيته، إلا أنها لا تشفيه، خاصة الأعراض الهضمية المرافقة للمرض من: إسهال، إمساك، نفخة، والتهابات معوية متكررة، الأمر الذي يؤكد أن مرض التوحد هو مرض جهازي أكثر من كونه مرضاً يصيب الدماغ حصراً، ما يؤكد أيضاً العلاقة الوطيدة بين صحة الجهاز الهضمي وصحة الدماغ.
التوحد والتدخل الغذائي
من هنا تأتي أهمية التغذية كوسيلة لدعم جهاز هضمي صحي، ما يعتبر أولوية في علاج مرض التوحد، وأشارت د. زيود إلى الحميات الغذائية المنتشرة كعلاج لمرضى التوحد، وأكثرها تطبيقاً وفعالية، أو بمعنى أدق التي نُصح باعتمادها عند البدء بتطبيق نظام غذائي لمريض التوحد، وهي الحمية الخالية من بروتين الحليب المسمى كازيئين، وبروتين القمح المسمى غلوتين، (أي حذف جميع منتجات الحليب والألبان من النظام الغذائي، بالإضافة إلى جميع مصادر الغلوتين وهي القمح والشعير والجاودار، بالإضافة إلى الشوفان وهي الحمية المعروفة للداء الزلاقي) وذلك كون هذه المكونات تحدث استجابة غير طبيعية في الأمعاء، وتؤهب لحدوث ارتكاس التهابي ينعكس سلباً على صحة الدماغ.
حميات غذائية
الخيار الثاني والذي يتبع عند عدم ملاحظة أي تحسن عند اعتماد الحمية السابقة ولفترة زمنية جيدة، برأي د. زيود هو الحمية عن النشويات والسكريات بشكل خاص ما عدا سكر الفواكه والعسل والسماح باللحم بأنواعه، البيض، البقوليات، البذور، المكسرات، جميع الخضروات غير النشوية بالإضافة إلى الفواكه، وقد أظهرت تأثيراً إيجابياً عند وجود قصة التهابات معوية أو إسهال وإمساك مزمنين، وأوردت د. زيود الخيار الثالث هو الحمية التي تحارب وجود الفطريات في الأمعاء وأساسها هو حذف السكريات بالمطلق وتخفيف النشويات، بالإضافة إلى الأطعمة المنتجة للحمض وزيادة الأطعمة المتخمرة، أي تخلق الوسط القلوي عبر الجمع بين الخضار مع النشويات أو الخضار مع اللحوم ولا تسمح باللحوم مع النشويات، وكان لها تأثير إيجابي أيضاً، بالإضافة إلى ما سبق ذكره هناك حميات أساسها حذف مكونات معينة بعد ثبات تأثيرها على زيادة حدة الأعراض مثل الفينولات، الساليسات، الأمينات والأوكزالات.
برامج علاجية للأسرة
يبدو طفل التوحد، حسب أخصائي علم الاجتماع، طفلاً مميزاً وليس معاقاً كما يصنفه الطب ، فالدكتور طلال مصطفى اختصاص علم اجتماع يقول إنه طفل طبيعي يُظهر اهتماماً بالأشياء المدركة بالحواس، بما يعني أنه يتعامل مع الأشخاص كالأشياء الجامدة، وهو لا يبدي رغبة للتعرف على الأشخاص الجدد وسماعهم، مما يفقده الإحساس العاطفي، ويضيف ..في تشخيص مريض التوحد أنه يعاني بعض الصعوبات في العلاقات الاجتماعية وصعوبات في القدرات اللغوية، كما أنه يُظهر سلوكاً استحواذياً كعدم قدرته على التفاعل مع الآخرين، ودائماً مريض التوحد ينسحب من العلاقات الاجتماعية ويتقوقع بعالمه الخاص، وفي مضمار المعالجة الاجتماعية التي يجب أن يتلقاها مريض التوحد ويصر د. مصطفى على وجود برامج علاجية اجتماعية تستهدف الأسرة بأكملها لتتجاوز العوائق النفسية التي تعاني منها بوجود طفل مريض لديها، فأكثر الأسر تخفي أمر وجود طفل معاق بشكل عام خجلاً من المجتمع، ما يحرمه من تلقي العلاج اللازم له، فتسوء حالته الصحية وحالة الأسرة النفسية، فالبرامج الموجهة إلى الأسرة هي الخطوة الأولى في معالجة المريض، وقد تعتمد بعض البرامج على تأهيل الأم أو الأب ليقدم بدوره العلاج الاجتماعي السلوكي للطفل المعاق، مؤكداً حصولنا على نتيجة أفضل.
العلاج بالاحتضان
هناك برامج علاجية اجتماعية نفسية كثيرة، تعتمد في معالجة التوحد كالعلاج باللعب، حيث يؤكد فعاليته د. مصطفى في معرفة ميول الطفل وتنمية مواهبه، وهو برنامج قادر على صنع مبدعين منهم، والعلاج بالاحتضان من أهم العلاجات الحديثة، التي لها صدى إيجابي يدفع الطفل إلى التصالح مع نفسه ويستطيع المعالج تخليص مريض التوحد من الاضطراب والهيجان بالموسيقى، والعلاج البيئي، وهي مجموعة علاجات تحتاج إلى تدريب وتأهيل وتعتمد على الأهل في تنفيذها للوصول إلى نتائج مرضية وهامة.
حقيقة أم إشاعة
في أحد الحوارات الموجودة على شبكة الانترنت، قال أحد المتحدثين من أهم طرق العلاج والمعترف فيها في كثير من الدول، هي طريقة العلاج بإعطاء المريض إبرة خلاصة الجنين، وهناك مستشفيان اثنان في العالم يقومان بهذه الطريقة في العلاج، أحدهما في كوستريكا، والآخر في الصين، ويحتاج المريض لست ابر ولمدة شهر، تتراوح تكلفة العلاج ما بين عشرين ألف دولار، وفي كوستريكا أرخص، الابرة تعطى بين الأصابع وتقوم ببناء أنسجة دماغ وتنشيط أخرى خاملة، إلا أن هذا العلاج غير متوفر في الدول الأوروبية، يبقى أن نقول إن مرضى التوحد هم حالة خاصة تستوجب منا البحث والاطلاع الدائم لمساعدتهم وأسرهم في تجاوز عوائق المرض لدمجهم في المجتمع وتعليمهم مهناً تقيهم شر الحاجة، وهو دور وزارة الشؤون الاجتماعية التي لا تقدم لهم سوى وثيقة تؤكد أنهم معاقون لمساعدتهم بدلاً من احتوائهم في كنفها، وتعليمهم ما يشد من أزرهم أمام مواجهات الحياة.
فاتن شنان