تحت مبضع برنامج الاستعراف وتحديد هوية الـ DNA الطب الشرعي.. هيئة مكتومة.. مقرات ومخابر مفقودة.. إمكانات محدودة.. و”بصمات” تبحث عن هوية !!
أخبار سورية
الأربعاء، ١٠ يونيو ٢٠١٥
أشهر طويلة قضتها زينب في البحث عن زوجها دون أن تستطيع معرفة مصيره، فقد اختفى منذ بداية الحرب على سورية، ولم تدخر جهداً في البحث عنه في كل مكان، في المشافي، والمخافر، ولكنها كانت دائماً تعود بخيبة الأمل، إلى أن راجعت المركز الوطني للطب الشرعي، (قسم الاستعراف)، للاستدلال على زوجها بين جثامين ضحايا مقبرة جماعية من المجازر التي ارتكبها الإرهابيون بحق الشعب السوري، والتي ابتدأت في جسر الشغور، ولم تنته في عدرا العمالية، وكان لزينب ما أرادت، فقد تعرّفت عليه عن طريق برنامج الاستعراف الذي طوّره خبراء الطب الشرعي في سورية، واستطاعت الحصول على شهادة وفاة لزوجها لتحصيل حقوقه علّها تساعدها فيما يمر بها من مصاعب الأيام، حالة زينب تشبه الكثير من حالات من وجدوا أقارب لهما، واستطاعوا معرفة مصائرهم بفضل برنامج الاستعراف المستخدم في الطب الشرعي، ولكن هناك الكثير مازالوا ينتظرون الحصول على أي دليل عن مصير أبنائهم، وهل هم أحياء أم أموات؟ وهل بالإمكان تحصيل ما لهم من حقوق وفق القانون أم لا؟ وما هو دور الطب الشرعي وأهميته في الكشف عنهم؟ وما هو برنامج الاستعراف، (تحديد الهوية)، وتحليل بصمة الـ DNA؟ ولماذا لم يتم إطلاق وتفعيل الهيئة العامة للطب الشرعي، رغم انتهاء المهل القانونية لتشكيلها منذ أشهر؟!.
برنامج خاص
يبشِّرنا د. ياسر صافي علي، رئيس المركز الوطني للطب الشرعي، بأنه تم مؤخراً إحداث قسم خاص بالتعرف على الجثث المجهولة التي لا يمكن التعرف عليها نتيجة التشوهات الكثيرة التي أصابتها، مشيراً إلى أن هذه الخطوة جاءت نتيجة عدم وجود مخابر DNA في سورية، باعتبار أنه لا يوجد سوى مخبر واحد موجود لدى الأمن الجنائي، وأنه غير كاف للقيام بالتعرف على جميع الجثث، ولاسيما في ظل هذه الظروف، وقال صافي: إنه خلال عام 2014 لم يتم التعرف سوى على 28 جثة فقط من أصل 450 جثة.
وبالنسبة لبرنامج الاستعراف، أوضح صافي بأنه يتم تحديد هوية الشخص من خلال الاعتماد على الموجودات التي وجدت مع الجثة، وخاصة أن هناك الكثير من الجثث لا تحمل ثبوتيات تدل عليها، ولفت إلى أن المشكلة التي تواجه الطب الشرعي حالياً تكمن في عدد المفقودين الذي تجاوز الآلاف، وكذلك فإن عمل الطب الشرعي تجاه هذه المسألة أصبح كبيراً في إيجاد بدائل للتعرف على الجثث، والذي أصبح ضرورة ملحة لابد منها، فكان لابد من تأهيل عدد من الأطباء الشرعيين في هذا المجال، والعمل في هذا البرنامج، مبيناً أن البرنامج ليس فقط للجثث، وإنما يطبق على الأشخاص مكتومي النسب، أو مجهولي الأب، وهذا يساعد القضاء في الوصول إلى الحقيقة من خلال الكشف في مسرح الجريمة عن الفاعلين عبر الموجودات التي يعثر عليها في مكان وقوعها.
ولم ينس صافي الإشارة إلى النقص في الإمكانات، داعياً الجهات المختصة إلى دعم مشروع الاستعراف، وتحديد الهوية من خلال توفير الأدوات المطلوبة للخبراء الذين سيقومون بهذه المهمة، خاصة أن تفعيل الهيئة العامة للطب الشرعي، وتفعيل قسم الاستعراف، سينعكس إيجاباً على تطور هذا البرنامج الذي يخص المفقودين والجثث المجهولة.
الاستعراف عند الأحياء والأموات (Biome tic)
يسترسل د. صافي فيالحديث موضحاً أن الاستعراف يعتمد على الخصائص الجسمانية الحيوية القياسية مثل: الطول، والجنس، والنوع، ومواصفات شعر الرأس، والعلامات الجسمية الخلقية أو المكتسبة، وشكل الأسنان، وما قد يكون بها من حشوات، أو فقدان، أو تركيبات صناعية، وفصيلة الدم، وبصمات الأصابع، والملابس، وما قد يكون عليها من علامات الصناعة، أو الحياكة، أو علامات التنظيف، ومتعلقات شخصية من أوراق أو مستندات أو ساعات أو خواتم، إضافة إلى آثار المهنة أو الحرفة، وآثار البيئة في العمل أو السكن مثل وجود غبار معين في الأذنين، أو الأحذية، لا من حيث مقاساتها وصناعتها فحسب، ولكن من حيث العلامات التي تطرأ عليها من جراء استعمالها أثناء المشي والحركة، حيث يترك الحذاء آثاراً ينفرد بها كل شخص عن الآخر، والغاية من الاستعراف، كما يبيّن صافي، التعرف على الهوية من خلال التعرف على الجنس، وتقدير العمر، وتحديد السلالة البشرية، وحتى الأشلاء غير البشرية، وبالتالي الاستعراف هو عملية المقارنة بين الموجودات، (بيانات) قد تكون موجودة لدينا سابقاً، وأخرى وجدت، فإن توافقت الموجودات مع البيانات السابقة يكون الاستعراف إيجابياً، وإن لم تتوافق يكون الاستعراف سلبياً.
ويشير صافي إلى أن الطب الشرعي يتصدى لمعالجة قضايا ذات حساسية عالية في المجتمع من الجرائم، وحالات الانتحار، والحوادث المختلفة، وهو يتعرض لحالات الرضوض والسموم المختلفة التي تتراوح نتائجها بين الموت والعجز الوظيفي الدائم، الجزئي أو الكامل، والأذية القابلة للشفاء، كما تشمل مواضيعه طيفاً واسعاً من حالات حوادث العمل والأمراض المهنية، وحوادث السير، والحوادث الطارئة بشكل عام، والمشاكل الجنسية، وتقييم المرضى العقليين، وتقدير العمر، وفحص الجبر والشدة عند الموقوفين، وفحص الجراح بأنواعها، وتحديد المسؤولية الطبية في حالات الإهمال، وسوء الممارسة في السلك الطبي، إلى جانب فحص الوفيات، وتشريح الجثة في حالات الموت المفاجئ والمشبوه.
ويرى أن فحص الأحياء يشكّل حوالي 80% من عمل الطب الشرعي، وهو واحد من أكثر فروع الطب جاذبية، حيث يتعامل بالتداخل بين العلم الطبي والقانون على الأحياء أولاً، والأموات ثانياً، والهدف الأسمى هو الحقيقة، ويعتبر عمل الطب الشرعي عملاً بالغ الخطورة والأهمية بالنسبة للمتقاضين مادياً ومعنوياً، إذ تبنى عليه وتتوقف حريتهم وشرفهم، وربما حياتهم، وتقدير شدة الإصابة والعاهات الدائمة التي يبنى عليها العقاب، ومقدار التعويض، ففي أغلب الأحيان يكون لرأي الطبيب الشرعي أثر كبير في توجيه الدعوى، والخبرة الطبية الخاطئة تخل بمجرى القضية وتسيرها في طريق ضال، ما ينعكس على سمعة القضاء التي يجب أن تبقى سامية.
مهام خاصة
ويضيف : إن إحدى المهام الأساسية في الطب الشرعي هي الفحص الظاهري للجثث، وتحرير شهادة الوفاة، وطلب الفحوص المتممة في حال عدم وضوح أسباب الوفاة، وفي الوفيات الجنائية، والوفيات المشبوهة، والموت المفاجئ، وذلك باستخدام التصوير الشعاعي، والتحاليل السمية، ودراسة DNA، والسعي لحل مشكلة الجثث مجهولة الهوية والمشوهة، وخاصة في الكوارث، وأيضاً من مهام الطبيب الشرعي عند الأحياء فحص الجروح والرضوض والحروق وجروح الأسلحة النارية، والأذى الناتج عن العوامل الطبيعية، وإصابات العمل، وأذيات التيار الكهربائي، والجرائم الجنسية، والحمل والإجهاض، وقتل الوليد، وتقدير السن، وتعيين الجنس والنسب، وفحص البقع الحيوية، إضافة لمؤازرة الأطباء الشرعيين العسكريين، واللجان الطبية أمام القضاء لتحديد الإصابة بشكل دقيق عند استقرار الإصابة، أو الاعتراض على تقرير الطب الشرعي الأولي، أو تفاقم الإصابة.
إمكانات محدودة
وعن عدد الأطباء الشرعيين يقول صافي: إن عددهم أكثر من /100/ طبيب شرعي في سورية، ولكن من يعمل حالياً لا تتجاوز نسبتهم (60%)، والبقية (40%) هاجروا خارج سورية، طبعاً العدد غير كاف لممارسة العمل، وهناك طاقات جيدة لدى بعض الأطباء، ولكن الإمكانات لممارسة العمل ضعيفة وضيقة، من حيث الأدوات والتجهيزات، ولا توجد الإمكانات المطلوبة للتحفيز على العمل، وهذا ينعكس سلباً على عمل الطب الشرعي.
في معادلة قبل وبعد
كانت تبعية الأطباء الشرعيين لمديريات الصحة، ونظرياً للمركز الوطني للطب الشرعي، والتي لا تستفيد عملياً من خدمات الطبيب الشرعي، ولا يعنيها من أمره سوى القليل، وتعود ثمرة عمله بشكل خاص إلى الجهات القضائية، فالخلل في عمل الطبيب الشرعي يؤثر بشكل كبير على سلامة ونقاء الحكم القضائي، وكيفية التعامل مع الجرم، فالأطباء الشرعيون يعملون لصالح مديرية الصحة، أما الذي ينظر إلى عمله فهي الجهات القضائية وبشكل خاص المحامي العام، ولا توجد حصانة قضائية أوحماية للطبيب الشرعي، وبالتالي عدم استقلالية وتجرد تقريره الذي يضطر للمراعاة، وخاصة في حالة التبعية المادية، والمقصود هنا اللجان الطبية التي تختارها المحكمة والتي تعتمد على أسماء قليلة ضمن جدول معتمد من وزارة العدل، ولذلك لابد من تفعيل الهيئة العامة للطب الشرعي لتجاوز واقع عدم التنسيق بين الجهات التي تعتمد على تقرير الطبيب الشرعي، فلكل آراؤه الخاصة، فمثلاً التأمينات الاجتماعية لا تعتمد إلا على طبيبين فقط ودون مردود مادي، وبقية الأطباء الشرعيين لا يعتمد تقريرهم، ويضاف إلى كل ما ذكر عدم السير في تفعيل الهيئة العامة للطب الشرعي التي تم إقرارها منذ أشهر، وجل ما حدث تسمية مدير عام فقط.
هيئة علمية
أصدر السيد الرئيس بشار الأسد القانون 17 لعام 2014 بإحداث هيئة علمية صحية تسمى الهيئة العامة للطب الشرعي، تهدف إلى تنفیذ السیاسة الوطنیة للطب الشرعي وتوفیر خدمات الطب الشرعي والجنائي والعلمي والبحثي والتدریبي تنسیقياً، ووضع الأسس والأنظمة المتعلقة بالطب الشرعي واقتراح مشروعات القوانین المتعلقة بالطب الشرعي الجنائي بالتنسیق مع الجهات المختصة، والإشراف على عمل الأطباء الشرعیین وتقدیم المشورة وتوفیر المعلومات والبیانات عن الطب الشرعي وإصدار الأدلة الخاصة بذلك، وتوجیه البحث العلمي في الفروع والمراكز والنقاط الطبیة والعیادات الشرعیة، تقدم الهیئة خدمات الطب الشرعي في الفروع والمراكز والنقاط والعیادات الطبیة الشرعیة لقاء أجور وفقاً للتعرفة التي تصدر بقرار من المجلس بالتنسیق مع الجهات المختصة ويشارك في الهيئة ممثلون من خمس وزارات هي الصحة والتعليم العالي والداخلية والدفاع والعدل وتم تحديد يوم 2/2/2015 لنفاذ القانون وإطلاق الهيئة.
وهذا طبعاً ليس كلامنا بل كلام أ.د.حسين نوفل المدير العام للهيئة العامة للطب الشرعي، الذي بين أنه لم يتم تكليف مدير عام حتى تاريخ 11/3/2015 كما تأخر تبليغه الرسمي بالتكليف حتى تاريخ 20/4/2015 وبعدها لم يتم أي إجراء لتفعيل الهيئة التي تعد مؤسسة علمية طبية تدير أعمال الطبابة الشرعية في كل سورية وتشمل كل القضايا ذات الوجه القانوني والقضائي بما يتعلق بالأحياء والأموات والآثار الحيوية الإنسانية الناجمة عنها، لذلك فإن أعمال الطب الشرعي تحتاج إلى عيادات فحص للأحياء الذين تعرضوا لقضايا وإصابات وأمراض تحتاج إلى رأي أوتعويض قانوني لتحديد مدى الإصابة وتشخيصها وهل تم علاجها كما يجب، وفيما يتعلق بالآثار الحيوية الإنسانية الناجمة عن الأحياء والأموات فهي تحتاج إلى مخابر في الطب الشرعي لتحديد الهوية ونوع وتبعية هذه الآثار سواء كانت سائلة أوجافة مثل البقع الدموية والمنوية والبولية والآثار النسيجية لكل أنسجة الجسم بما فيها التصوير الشعاعي للموجودات والاختبارات الكيميائية والمصلية والمناعية وحتى بصمة DNA إضافة لقضايا اختبارات السموم والتسمم وتحديد الإصابة الناجمة عنها ومداها.
وضعها في التصرف
وبين نوفل أن الهيئة العامة للطب الشرعي ستعمل بشكل أساسي على جمع العاملين في مجال الطب الشرعي في سورية وجمع البنى التحتية المتواجدة تحت تصرف الكادر البشري من مخابر وعيادات وأجهزة وتجهيزات وكل المستلزمات الموجودة ووضعها بتصرف هذه الكوادر لاستثمارها بالشكل الأمثل، لذلك فإن المشروع الكبير الذي يتم العمل عليه اليوم بإطلاق الهيئة وتفعيل موضوع الاستعراف على الجثث المجهولة ومقارنة المعلومات عن المفقودين والمخطوفين من قبل الهيئات والوزارات، الاستعراف عمن ولد حياً في المناطق الخارجة عن سلطة الدولة وهل يعود نسبه إلى أهله أم لا لعدم وجود مديريات نفوس تابعة للدولة وتقوم بالتسجيل وتحديد نسب الإصابات بين الأحياء ونسب العجز الناجمة عن أذيات الحرب عند الجرحى.
معوقات العمل
رغم صدور قانون بتشكيل الهيئة العامة للطب الشرعي وانقضاء مدة نفاذه إلا أن هناك معوقات كبيرة تقف في وجه الهيئة وأهمها عدم تخصيص مقر أو تكليف فريق عمل إداري ومالي للبدء بإطلاقها من سكرتارية وعاملين وعدم وجود تجهيزات تقنية وعملية من حواسب وأثاث وغيرها، والأهم من هذا عدم تخصيص موازنة للهيئة، وقد لا تكون هناك موازنة للعام القادم لأن التعميم الصادر عن رئيس مجلس الوزراء رقم 15/10/ب المتضمن التعليمات التنفيذية لإعداد الموازنة العامة للعام 2016 ينص على تقديم الموازنة للجهات الخاصة والعامة في موعد أقصاه 5/7/2015 مما يؤدي إلى عدم تقديم الموازنة في موعدها لأنه لا يوجد كادر لإدارة الهيئة سوى المدير العام بالتسمية فقط، والذي ما زال في عمله السابق كمدرس في كلية الطب، والسؤال هل يستطيع مدير عام اختصاصي في الطب الشرعي أن يقوم بتحديد اقتراح موازنة للعام القادم خلال شهر ونصف دون وجود كادر عمل إداري ومالي، وهل يستطيع تأمين هذا الكادر دون وجود موازنة أوتكليف من الجهات المعنية .
بشكل مؤقت
اقترح نوفل أن يتم تخصيص مقر للهيئة ولو بشكل مؤقت ومخاطبة وزارة المالية لتكليف فريق عمل لإعداد الموازنة وإدارة الحسابات ريثما يتم تكليف محاسب للهيئة وأخذ سلفة مالية لعام 2016 إن لم تستطع الهيئة إعداد موازنتها وتخصيص البنية الإدارية والخدمية والمكتبية الضرورية للانطلاق بالعمل، والبدء بتنفيذ السياسات المرسومة من قبل مجلس الإدارة، علماً أنه وحتى تاريخ 19/5/2015 لم يتم تشكيل مجلس إدارة وفق ما ذكر في القانون 17 لعام 2014، وتابع نوفل:عند تذليل العقبات الموجودة فإن الطموح تشكيل مجلس الإدارة وإعداد اللائحة التنفيذية والنظام الداخلي للهيئة وتشكيل الفروع في المراكز والمحافظات وإعداد دراسات حديثة للعمل وإنشاء مخابر ومشارح وعيادات حديثة للقيام بأعمال الطب الشرعي، علماً أنه لا يوجد سوى 3 مخابر لبصمة DNA في سورية يعمل منها اثنان واحد في كلية الطب في جامعة دمشق والثاني في فرع الأمن الجنائي بدمشق، كما أنه يمكن الاستفادة من مخابر وزارة الصحة وهيئة الطاقة الذرية ومخابر البحوث الحيوية في وزارة التعليم العالي ومخابرDNA في كلية العلوم، مما يعني وجود أرضية واسعة للبدء بالعمل كما يمكن الاستفادة من تجهيزات وكوادر كل مشافي وزارة الصحة والدفاع والداخلية، ولكن الخطوة الأولى والأساسية تبقى بإطلاق الهيئة بشكل فعلي بعد صدور قانون باستحداثها وانقضاء مده نفاذه.
عمل جاد
أهمية الطب الشرعي في تقرير مصير الناس ومساعدتهم على تحصيل حقوقهم ودوره البناء في إحقاق الحق والتشاركية الكبيرة بين خمس وزارات أساسية لعمل الطب الشرعي تفرض العمل الجاد وتهيئة الظروف الأمثل لتفعيل عمل الهيئة العامة للطب الشرعي، وتوفير كافة مستلزمات عملها، وخاصة في هذا الزمن الذي نعلم جميعاً خفايا قصصه الباحثة عن المصير المجهول للكثير من الناس.. فهل سنرى مخابر حديثة تساعد في كشف المستور، أم أن الضياع سيبقى سيد الموقف، وعلى رأسهم الهيئة العامة للطب الشرعي.. سؤال برسم أصحاب الأقلام الخضراء فهل من جواب؟..
مرهف هرموش- البعث
برنامج خاص
يبشِّرنا د. ياسر صافي علي، رئيس المركز الوطني للطب الشرعي، بأنه تم مؤخراً إحداث قسم خاص بالتعرف على الجثث المجهولة التي لا يمكن التعرف عليها نتيجة التشوهات الكثيرة التي أصابتها، مشيراً إلى أن هذه الخطوة جاءت نتيجة عدم وجود مخابر DNA في سورية، باعتبار أنه لا يوجد سوى مخبر واحد موجود لدى الأمن الجنائي، وأنه غير كاف للقيام بالتعرف على جميع الجثث، ولاسيما في ظل هذه الظروف، وقال صافي: إنه خلال عام 2014 لم يتم التعرف سوى على 28 جثة فقط من أصل 450 جثة.
وبالنسبة لبرنامج الاستعراف، أوضح صافي بأنه يتم تحديد هوية الشخص من خلال الاعتماد على الموجودات التي وجدت مع الجثة، وخاصة أن هناك الكثير من الجثث لا تحمل ثبوتيات تدل عليها، ولفت إلى أن المشكلة التي تواجه الطب الشرعي حالياً تكمن في عدد المفقودين الذي تجاوز الآلاف، وكذلك فإن عمل الطب الشرعي تجاه هذه المسألة أصبح كبيراً في إيجاد بدائل للتعرف على الجثث، والذي أصبح ضرورة ملحة لابد منها، فكان لابد من تأهيل عدد من الأطباء الشرعيين في هذا المجال، والعمل في هذا البرنامج، مبيناً أن البرنامج ليس فقط للجثث، وإنما يطبق على الأشخاص مكتومي النسب، أو مجهولي الأب، وهذا يساعد القضاء في الوصول إلى الحقيقة من خلال الكشف في مسرح الجريمة عن الفاعلين عبر الموجودات التي يعثر عليها في مكان وقوعها.
ولم ينس صافي الإشارة إلى النقص في الإمكانات، داعياً الجهات المختصة إلى دعم مشروع الاستعراف، وتحديد الهوية من خلال توفير الأدوات المطلوبة للخبراء الذين سيقومون بهذه المهمة، خاصة أن تفعيل الهيئة العامة للطب الشرعي، وتفعيل قسم الاستعراف، سينعكس إيجاباً على تطور هذا البرنامج الذي يخص المفقودين والجثث المجهولة.
الاستعراف عند الأحياء والأموات (Biome tic)
يسترسل د. صافي فيالحديث موضحاً أن الاستعراف يعتمد على الخصائص الجسمانية الحيوية القياسية مثل: الطول، والجنس، والنوع، ومواصفات شعر الرأس، والعلامات الجسمية الخلقية أو المكتسبة، وشكل الأسنان، وما قد يكون بها من حشوات، أو فقدان، أو تركيبات صناعية، وفصيلة الدم، وبصمات الأصابع، والملابس، وما قد يكون عليها من علامات الصناعة، أو الحياكة، أو علامات التنظيف، ومتعلقات شخصية من أوراق أو مستندات أو ساعات أو خواتم، إضافة إلى آثار المهنة أو الحرفة، وآثار البيئة في العمل أو السكن مثل وجود غبار معين في الأذنين، أو الأحذية، لا من حيث مقاساتها وصناعتها فحسب، ولكن من حيث العلامات التي تطرأ عليها من جراء استعمالها أثناء المشي والحركة، حيث يترك الحذاء آثاراً ينفرد بها كل شخص عن الآخر، والغاية من الاستعراف، كما يبيّن صافي، التعرف على الهوية من خلال التعرف على الجنس، وتقدير العمر، وتحديد السلالة البشرية، وحتى الأشلاء غير البشرية، وبالتالي الاستعراف هو عملية المقارنة بين الموجودات، (بيانات) قد تكون موجودة لدينا سابقاً، وأخرى وجدت، فإن توافقت الموجودات مع البيانات السابقة يكون الاستعراف إيجابياً، وإن لم تتوافق يكون الاستعراف سلبياً.
ويشير صافي إلى أن الطب الشرعي يتصدى لمعالجة قضايا ذات حساسية عالية في المجتمع من الجرائم، وحالات الانتحار، والحوادث المختلفة، وهو يتعرض لحالات الرضوض والسموم المختلفة التي تتراوح نتائجها بين الموت والعجز الوظيفي الدائم، الجزئي أو الكامل، والأذية القابلة للشفاء، كما تشمل مواضيعه طيفاً واسعاً من حالات حوادث العمل والأمراض المهنية، وحوادث السير، والحوادث الطارئة بشكل عام، والمشاكل الجنسية، وتقييم المرضى العقليين، وتقدير العمر، وفحص الجبر والشدة عند الموقوفين، وفحص الجراح بأنواعها، وتحديد المسؤولية الطبية في حالات الإهمال، وسوء الممارسة في السلك الطبي، إلى جانب فحص الوفيات، وتشريح الجثة في حالات الموت المفاجئ والمشبوه.
ويرى أن فحص الأحياء يشكّل حوالي 80% من عمل الطب الشرعي، وهو واحد من أكثر فروع الطب جاذبية، حيث يتعامل بالتداخل بين العلم الطبي والقانون على الأحياء أولاً، والأموات ثانياً، والهدف الأسمى هو الحقيقة، ويعتبر عمل الطب الشرعي عملاً بالغ الخطورة والأهمية بالنسبة للمتقاضين مادياً ومعنوياً، إذ تبنى عليه وتتوقف حريتهم وشرفهم، وربما حياتهم، وتقدير شدة الإصابة والعاهات الدائمة التي يبنى عليها العقاب، ومقدار التعويض، ففي أغلب الأحيان يكون لرأي الطبيب الشرعي أثر كبير في توجيه الدعوى، والخبرة الطبية الخاطئة تخل بمجرى القضية وتسيرها في طريق ضال، ما ينعكس على سمعة القضاء التي يجب أن تبقى سامية.
مهام خاصة
ويضيف : إن إحدى المهام الأساسية في الطب الشرعي هي الفحص الظاهري للجثث، وتحرير شهادة الوفاة، وطلب الفحوص المتممة في حال عدم وضوح أسباب الوفاة، وفي الوفيات الجنائية، والوفيات المشبوهة، والموت المفاجئ، وذلك باستخدام التصوير الشعاعي، والتحاليل السمية، ودراسة DNA، والسعي لحل مشكلة الجثث مجهولة الهوية والمشوهة، وخاصة في الكوارث، وأيضاً من مهام الطبيب الشرعي عند الأحياء فحص الجروح والرضوض والحروق وجروح الأسلحة النارية، والأذى الناتج عن العوامل الطبيعية، وإصابات العمل، وأذيات التيار الكهربائي، والجرائم الجنسية، والحمل والإجهاض، وقتل الوليد، وتقدير السن، وتعيين الجنس والنسب، وفحص البقع الحيوية، إضافة لمؤازرة الأطباء الشرعيين العسكريين، واللجان الطبية أمام القضاء لتحديد الإصابة بشكل دقيق عند استقرار الإصابة، أو الاعتراض على تقرير الطب الشرعي الأولي، أو تفاقم الإصابة.
إمكانات محدودة
وعن عدد الأطباء الشرعيين يقول صافي: إن عددهم أكثر من /100/ طبيب شرعي في سورية، ولكن من يعمل حالياً لا تتجاوز نسبتهم (60%)، والبقية (40%) هاجروا خارج سورية، طبعاً العدد غير كاف لممارسة العمل، وهناك طاقات جيدة لدى بعض الأطباء، ولكن الإمكانات لممارسة العمل ضعيفة وضيقة، من حيث الأدوات والتجهيزات، ولا توجد الإمكانات المطلوبة للتحفيز على العمل، وهذا ينعكس سلباً على عمل الطب الشرعي.
في معادلة قبل وبعد
كانت تبعية الأطباء الشرعيين لمديريات الصحة، ونظرياً للمركز الوطني للطب الشرعي، والتي لا تستفيد عملياً من خدمات الطبيب الشرعي، ولا يعنيها من أمره سوى القليل، وتعود ثمرة عمله بشكل خاص إلى الجهات القضائية، فالخلل في عمل الطبيب الشرعي يؤثر بشكل كبير على سلامة ونقاء الحكم القضائي، وكيفية التعامل مع الجرم، فالأطباء الشرعيون يعملون لصالح مديرية الصحة، أما الذي ينظر إلى عمله فهي الجهات القضائية وبشكل خاص المحامي العام، ولا توجد حصانة قضائية أوحماية للطبيب الشرعي، وبالتالي عدم استقلالية وتجرد تقريره الذي يضطر للمراعاة، وخاصة في حالة التبعية المادية، والمقصود هنا اللجان الطبية التي تختارها المحكمة والتي تعتمد على أسماء قليلة ضمن جدول معتمد من وزارة العدل، ولذلك لابد من تفعيل الهيئة العامة للطب الشرعي لتجاوز واقع عدم التنسيق بين الجهات التي تعتمد على تقرير الطبيب الشرعي، فلكل آراؤه الخاصة، فمثلاً التأمينات الاجتماعية لا تعتمد إلا على طبيبين فقط ودون مردود مادي، وبقية الأطباء الشرعيين لا يعتمد تقريرهم، ويضاف إلى كل ما ذكر عدم السير في تفعيل الهيئة العامة للطب الشرعي التي تم إقرارها منذ أشهر، وجل ما حدث تسمية مدير عام فقط.
هيئة علمية
أصدر السيد الرئيس بشار الأسد القانون 17 لعام 2014 بإحداث هيئة علمية صحية تسمى الهيئة العامة للطب الشرعي، تهدف إلى تنفیذ السیاسة الوطنیة للطب الشرعي وتوفیر خدمات الطب الشرعي والجنائي والعلمي والبحثي والتدریبي تنسیقياً، ووضع الأسس والأنظمة المتعلقة بالطب الشرعي واقتراح مشروعات القوانین المتعلقة بالطب الشرعي الجنائي بالتنسیق مع الجهات المختصة، والإشراف على عمل الأطباء الشرعیین وتقدیم المشورة وتوفیر المعلومات والبیانات عن الطب الشرعي وإصدار الأدلة الخاصة بذلك، وتوجیه البحث العلمي في الفروع والمراكز والنقاط الطبیة والعیادات الشرعیة، تقدم الهیئة خدمات الطب الشرعي في الفروع والمراكز والنقاط والعیادات الطبیة الشرعیة لقاء أجور وفقاً للتعرفة التي تصدر بقرار من المجلس بالتنسیق مع الجهات المختصة ويشارك في الهيئة ممثلون من خمس وزارات هي الصحة والتعليم العالي والداخلية والدفاع والعدل وتم تحديد يوم 2/2/2015 لنفاذ القانون وإطلاق الهيئة.
وهذا طبعاً ليس كلامنا بل كلام أ.د.حسين نوفل المدير العام للهيئة العامة للطب الشرعي، الذي بين أنه لم يتم تكليف مدير عام حتى تاريخ 11/3/2015 كما تأخر تبليغه الرسمي بالتكليف حتى تاريخ 20/4/2015 وبعدها لم يتم أي إجراء لتفعيل الهيئة التي تعد مؤسسة علمية طبية تدير أعمال الطبابة الشرعية في كل سورية وتشمل كل القضايا ذات الوجه القانوني والقضائي بما يتعلق بالأحياء والأموات والآثار الحيوية الإنسانية الناجمة عنها، لذلك فإن أعمال الطب الشرعي تحتاج إلى عيادات فحص للأحياء الذين تعرضوا لقضايا وإصابات وأمراض تحتاج إلى رأي أوتعويض قانوني لتحديد مدى الإصابة وتشخيصها وهل تم علاجها كما يجب، وفيما يتعلق بالآثار الحيوية الإنسانية الناجمة عن الأحياء والأموات فهي تحتاج إلى مخابر في الطب الشرعي لتحديد الهوية ونوع وتبعية هذه الآثار سواء كانت سائلة أوجافة مثل البقع الدموية والمنوية والبولية والآثار النسيجية لكل أنسجة الجسم بما فيها التصوير الشعاعي للموجودات والاختبارات الكيميائية والمصلية والمناعية وحتى بصمة DNA إضافة لقضايا اختبارات السموم والتسمم وتحديد الإصابة الناجمة عنها ومداها.
وضعها في التصرف
وبين نوفل أن الهيئة العامة للطب الشرعي ستعمل بشكل أساسي على جمع العاملين في مجال الطب الشرعي في سورية وجمع البنى التحتية المتواجدة تحت تصرف الكادر البشري من مخابر وعيادات وأجهزة وتجهيزات وكل المستلزمات الموجودة ووضعها بتصرف هذه الكوادر لاستثمارها بالشكل الأمثل، لذلك فإن المشروع الكبير الذي يتم العمل عليه اليوم بإطلاق الهيئة وتفعيل موضوع الاستعراف على الجثث المجهولة ومقارنة المعلومات عن المفقودين والمخطوفين من قبل الهيئات والوزارات، الاستعراف عمن ولد حياً في المناطق الخارجة عن سلطة الدولة وهل يعود نسبه إلى أهله أم لا لعدم وجود مديريات نفوس تابعة للدولة وتقوم بالتسجيل وتحديد نسب الإصابات بين الأحياء ونسب العجز الناجمة عن أذيات الحرب عند الجرحى.
معوقات العمل
رغم صدور قانون بتشكيل الهيئة العامة للطب الشرعي وانقضاء مدة نفاذه إلا أن هناك معوقات كبيرة تقف في وجه الهيئة وأهمها عدم تخصيص مقر أو تكليف فريق عمل إداري ومالي للبدء بإطلاقها من سكرتارية وعاملين وعدم وجود تجهيزات تقنية وعملية من حواسب وأثاث وغيرها، والأهم من هذا عدم تخصيص موازنة للهيئة، وقد لا تكون هناك موازنة للعام القادم لأن التعميم الصادر عن رئيس مجلس الوزراء رقم 15/10/ب المتضمن التعليمات التنفيذية لإعداد الموازنة العامة للعام 2016 ينص على تقديم الموازنة للجهات الخاصة والعامة في موعد أقصاه 5/7/2015 مما يؤدي إلى عدم تقديم الموازنة في موعدها لأنه لا يوجد كادر لإدارة الهيئة سوى المدير العام بالتسمية فقط، والذي ما زال في عمله السابق كمدرس في كلية الطب، والسؤال هل يستطيع مدير عام اختصاصي في الطب الشرعي أن يقوم بتحديد اقتراح موازنة للعام القادم خلال شهر ونصف دون وجود كادر عمل إداري ومالي، وهل يستطيع تأمين هذا الكادر دون وجود موازنة أوتكليف من الجهات المعنية .
بشكل مؤقت
اقترح نوفل أن يتم تخصيص مقر للهيئة ولو بشكل مؤقت ومخاطبة وزارة المالية لتكليف فريق عمل لإعداد الموازنة وإدارة الحسابات ريثما يتم تكليف محاسب للهيئة وأخذ سلفة مالية لعام 2016 إن لم تستطع الهيئة إعداد موازنتها وتخصيص البنية الإدارية والخدمية والمكتبية الضرورية للانطلاق بالعمل، والبدء بتنفيذ السياسات المرسومة من قبل مجلس الإدارة، علماً أنه وحتى تاريخ 19/5/2015 لم يتم تشكيل مجلس إدارة وفق ما ذكر في القانون 17 لعام 2014، وتابع نوفل:عند تذليل العقبات الموجودة فإن الطموح تشكيل مجلس الإدارة وإعداد اللائحة التنفيذية والنظام الداخلي للهيئة وتشكيل الفروع في المراكز والمحافظات وإعداد دراسات حديثة للعمل وإنشاء مخابر ومشارح وعيادات حديثة للقيام بأعمال الطب الشرعي، علماً أنه لا يوجد سوى 3 مخابر لبصمة DNA في سورية يعمل منها اثنان واحد في كلية الطب في جامعة دمشق والثاني في فرع الأمن الجنائي بدمشق، كما أنه يمكن الاستفادة من مخابر وزارة الصحة وهيئة الطاقة الذرية ومخابر البحوث الحيوية في وزارة التعليم العالي ومخابرDNA في كلية العلوم، مما يعني وجود أرضية واسعة للبدء بالعمل كما يمكن الاستفادة من تجهيزات وكوادر كل مشافي وزارة الصحة والدفاع والداخلية، ولكن الخطوة الأولى والأساسية تبقى بإطلاق الهيئة بشكل فعلي بعد صدور قانون باستحداثها وانقضاء مده نفاذه.
عمل جاد
أهمية الطب الشرعي في تقرير مصير الناس ومساعدتهم على تحصيل حقوقهم ودوره البناء في إحقاق الحق والتشاركية الكبيرة بين خمس وزارات أساسية لعمل الطب الشرعي تفرض العمل الجاد وتهيئة الظروف الأمثل لتفعيل عمل الهيئة العامة للطب الشرعي، وتوفير كافة مستلزمات عملها، وخاصة في هذا الزمن الذي نعلم جميعاً خفايا قصصه الباحثة عن المصير المجهول للكثير من الناس.. فهل سنرى مخابر حديثة تساعد في كشف المستور، أم أن الضياع سيبقى سيد الموقف، وعلى رأسهم الهيئة العامة للطب الشرعي.. سؤال برسم أصحاب الأقلام الخضراء فهل من جواب؟..
مرهف هرموش- البعث