زينوا المرجة والمرجة لينا..
ثقافة
الأربعاء، ٤ أبريل ٢٠١٢
زينوا المرجه.. والمرجه لينا.. شامنا فرجه.. وهي مزينه..جدايل جدايل..
أصايل أصايل.. وبلادك جناين...
من منّا لا يعرف هذه الأغنية (الأهزوجة) الشامية القديمة، التي تجسد مكانة ساحة المرجة لأبناء دمشق وسورية عامة.
ساحة المرجة لها المكانة المميزة في قلوب كل السوريين، وترتبط بتاريخ سورية.
تطورت وتجددت ساحة المرجة على مر الأيام، ووفقاً للعوامل الطبيعية والعمرانية والسياسية، فكانت منتزهاً يقضي فيه الدمشقيون سيران يوم الجمعة، وكانت تحفّها البساتين المروية والعامرة بالأشجار والمزروعات، وكانت أيضاً في يوم ما مخيماً عسكرياً في زمن الحصار والغزوات التي تعرّضت لها دمشق.. كان اسمهما الجزيرة وبين النهرين والميدان الكبير، والمرج الأخضر، وساحة الشهداء، ولكن اسمها الأشهر ساحة المرجة. هي جزء من ذاكرة دمشق أو سجلها اليومي لها قصة وحكاية لها حضورها في الذاكرة وارتباطها بالوجدان الشعبي.
قصر كنج باشا:
يعتبر قصر الوالي كنج يوسف باشا من أوائل الأبنية الجميلة والمهمة التي أقيمت في ساحة المرجة، فحين قدم كنج يوسف باشا إلى دمشق عام 1222 هجري والياً بفرمان عثماني على دمشق والشام ومكث والياً فيها لمدة ثلاثة أعوام، تنبّه إلى أهمية ساحة المرجة، ونظراً للحساسية التي كانت قائمة بينه وبين الوالي أسعد باشا العظم صاحب القصر الشهير بدمشق، أراد كنج باشا إنشاء قصر في ساحة المرجة يضاهي به قصر العظم، فأقام قصره سنة 1807م. في جهة الجنوب للساحة (مكان بناء العابد اليوم) بينما كان جامع يلبغا المملوكي يقع إلى جهة الشمال. وعرف بقصر كنج يوسف باشا.
وكان مصير قصر كنج باشا شأنه شأن باقي الأبنية التراثية في ساحة المرجة التي طالتها يد الإنسان بالهدم والتخريب، كبناء البلدية وجامع يلبغا وبناء دار البريد والبرق ودار العدلية.. وكانت هذه الأبنية بمجموعها نواة مركز المدينة في ساحة المرجة، التي اتصلت بأحياء أخرى بواسطة شوارع وطرق، من أهمها جادة السنجقدار من الشرق يوازيها مدخل سوق التبن (الذي هُدم منذ فترة ليست ببعيدة) وسوق علي باشا، وإلى الجنوب شارع رامي وإلى الغرب جادة الشرابي وضفتا بردى ومن الشمال زقاق البحصة البرانية المؤدي إلى حي سوق صاروجا (كانت تقطنه الطبقة الرفيعة من العثمانيين وأعيان دمشق وأطلق عليها اسم اسطنبول الصغيرة) ولم يبق من الأبنية العريقة في هذه الساحة سوى بناء العابد الذي بني على أنقاض قصر كنج..
كان نهر بردى يقسم ساحة المرجة إلى قسمين، ولكن الوالي العثماني محمد راشد باشا قام في عام 1866 بتغطية النهر، وهكذا أصبحت المنطقة ميداناً فسيحاً سهلت فيه حركة القوافل والنقل. فتمركزت فيه بعض الفعاليات المؤقتة.
أطلق على ساحة المرجة عدة أسماء منها، اسم الميدان الكبير، وساحة الشهداء تيمناً بالشهداء الذين أعدمهم جمال باشا السفاح على أعمدة المشانق في السادس من أيار عام 1916.
أبنية ساحة المرجة:
تضمّ ساحة المرجة الآن عشرات الأبنية المختلطة ما بين العمارة القديمة والحديثة، الشرقية منها والأوربية، وكانت قد شهدت على مر الأيام والسنين تأسيس العديد من الأبنية المهمة والرائعة في تصميمها المعماري، ومنها ما هو ذو طابع ثقافي أو اجتماعي.. فكان هنالك فندق فكتوريا من أهم فنادق دمشق التي شُيدت بعد انتهاء دور الخانات المعروفة كأماكن لنوم زوار دمشق، كما عرفت المرجة أول دور السينما في دمشق، إذ تأسست فيها سينما زهرة دمشق، سينما باتيه عام 1918 وأغلقت سنة 1928، ثم تأسست سينما الإصلاح خانة عام 1921 وسينما الكوزموغراف، ومن بعدها سينما غازي وسنترال وفاروق والنصر.. وانتشرت في الساحة ولا تزال المقاهي والمطاعم، ومن أقدمها مقهى ديمتري ومقهى الكمال وعلي باشا والورد. وشهدت الساحة أيضاً ولادة المسارح المهمة، ومنها مسرح زهرة دمشق والنصر ومسرح القوتلي الذي تأسس في بدايات القرن العشرين وانتهى بحريق سنة 1928م وكان يغنّي فيه مشاهير المطربين والمطربات...
لقد قام الوالي العثماني حسين ناظم باشا سنة 1895 م ببناء دار البلدية (الذي هُدم في الخمسينيات من القرن الماضي، ومن هذه الدار أُعلن استقلال سورية في 8 آذار عام 1920م)، كما أنشأ الوالي العثماني ناظم باشا بناءً ضخماً خلف بناء دار البلدية (لم يزل قائماً حتى الآن) هو دار الحكومة والسرايا عام 1900م الذي أصبح مقراً للولاة عوضاً عن قصر كنج يوسف باشا، ثم صار مقراً للحكومة العربية الأولى زمن الأمير فيصل (1918 – 1920) ثم استمر مقراً للحكومة في عهد الانتداب الفرنسي.. إلى أن خُصص لوزارة الداخلية والتي لم تزل تشغله حتى الآن.
لقد كان طراز بناء دار الحكومة مطابقاً لطراز دار البلدية، وهو الطراز الكلاسيكي المحدث، المنتشر آنذاك في فرنسا وهو طراز مطور ومبسّط عن الروماني القديم، وهو دليل على أن الفنيين الأجانب قد نقلوا إلى دمشق الطراز المعماري الذي كان سائداً في بلادهم، والمختلف تماماً عن الطراز الذي عرفته دمشق في بناء قصر العظم، وقصر السعادة، وقصر كنج. لقد امتدّ بناء هذا الطراز إلى بناء دائرة الشرطة وطبابة المركز المحاذية لدار البلدية، وبينهما كان كشك عثماني الطراز لبيع الطوابع المالية والتبغ وغيرها..
وفي عام 1900م فكّر السلطان عبد الحميد بتأثير من الألمان بإنشاء خط حديدي يمتد من المدينة المنورة إلى دمشق الشام ويصل إلى اسطنبول ومنها إلى أوروبا واستقبل الوالي ناظم باشا في دمشق أمر السلطان بلهفة، فقام بالإشراف على بناء الخط من الأموال التي خُصصت لذلك ومقدارها 283 ألف ليرة ذهبية، واستطاع الوالي أن يقتصد بالإنفاق إذ كلف الجنود بأعمال البناء فقام بتنفيذ منشآت مهمة مستعيناً بالمهندسين والفنيين الألمان والنمساويين الذين قدموا لدمشق لتنفيذ المشروع، وحين تم إنشاء الخط الحديدي عام 1907 وتم في نفس العام تدشين خط الاتصالات البرقية بين دمشق والمدينة المنورة، وبهذه المناسبة تم إقامة النصب التذكاري في وسط ساحة المرجة، والذي لم يزل قائماً حتى الآن، وهو مصنوع من البرونز وفي أعلاه مجسم لجامع يلدز أشهر جوامع اسطنبول, وتلتف حول العمود أسلاك رمزاً للاتصال البرقي بين المدينة المنورة ودمشق دعماً لعمليات النقل بقطارات خط الحجاز وقام بتصميمه فنان إيطالي. كما أقامت هذا النصب في وسط ساحة المرجة تأكيداً لأهمية هذه الساحة ومركزيتها.
ويبقى من أهم وأعرق الأبنية القائمة حتى الآن في ساحة المرجة هو بناء العابد الذي أنشأه أحمد عزت باشا العابد ثاني أمناء سر السلطان عبد الحميد الثاني وأشرف على تنفيذ البناء وتصميمه المهندس الإسباني (فرناندو دي أراندا) عام 1908 وانتهى من إنشائه عام 1910م، وبذلك تكرست هذه الساحة مركزاً جديداً للمدينة. وفيها تزاحمت وسائط النقل من عربات خيل ودواب.. ومن ثم في أيامنا هذه الباصات والسيارات والمحال التجارية..
ذاكرة دمشق:
قد تكون ساحة المرجة سجلاً يومياً لتاريخ دمشق، فقد شهدت المرجة أحداثاً سياسية مهمة وكوارث طبيعية، وسجلت تطور دمشق، ففي عام 1916 شهدت قيام جمال باشا السفاح بإعدام رجالات سورية ولبنان في 6 أيار من عام 1916، وقد أطلق على المرجة في ما بعد اسم «ساحة الشهداء» تخليداً لذكرى هؤلاء الشهداء، كما كانت المرجة شاهداً على بطولات رجالات سورية أثناء الثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش، فقد كان المستعمر الفرنسي يجمع جثث الشهداء ويلقي بها في ساحة المرجة بغية نشر الرعب في النفوس المواطنين.
وفي العصر الحديث شهدت المرجة إعدام الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين.
ومن الكوارث الطبيعية التي شهدتها الساحة طوفان نهر بردى المتكرر الذي كان يسمى (الزورة أو الفيضان)، إثر الأمطار الغزيرة التي كانت تعمّ دمشق.
وكون المرجة تشكل قلب دمشق، ظلت لعقود طويلة في القرن الماضي المكان الرئيسي لانطلاق وسائل النقل بدءاً بالدواب (الجمال والأحصنة) إلى حافلات النقل الجماعي. فكانت المرجة مركزاً لانطلاق عربات الخيل (الحنتور)، والتي كانت تقف حول الحديقة الصغيرة التي تحيط بالعمود التذكاري. ثم أضحت مركزاً للحافلات الكهربائية (الترامواي) والأوطومبيل (السيارة)...
وأخيراً:
قامت محافظة دمشق بتجديد ساحة المرجة عام 1994، فقامت بإنشاء حديقة حديثة في وسط الساحة وزينتها بنوافير المياه وغرست فيها الورود الشامية، كما أنشأت في وسط الحديقة جسراً للمتنزهين وطوقت الساحة بسور حجري مزخرف...
.. وتبقى المرجة رمز دمشق الخالدة وأحجارها تنبض بتاريخ شعب أبيّ أحبّ الحياة، وأحبّ دمشق، وتروي ساحة المرجة على مرِّ الأيام والسنين أسطورة خالدة في حبِّ الله والوطن.. وزينوا المرجة والمرجة لينا...
شمس الدين العجلاني - أثينا
alajlani.shams@hotmail.com