قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا..بقلم أحمد بوبس

قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا..بقلم أحمد بوبس

تحليل وآراء

الأربعاء، ١٠ أكتوبر ٢٠١٢

لأمير الشعراء أحمد شوقي العديد من القصائد عن دمشق. منها القصيدة التي يقول مطلعها (سلام من صبا بردى أرق) والتي اختار الموسيقار محمد عبد الوهاب أبياتاً منها ولحنها وغناها. لكن أجمل قصائد شوقي عن دمشق قصيدة (قم ناج جلق) التي يقول مطلعها:
قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا
مشت على الرسم أحداث وأزمان
هذه القصيدة التي كانت أبيات منها مقررة في المرحلة الثانوية أيامنا. واستهوتني تلك الأبيات لروعتها فحفظتها عن ظهر قلب ومازلت. منها هذه الأبيات:
آمنت بالله واستثنيت جنته
دمشق روح وجنات وريحان
قال الرفاق وقد هبّت خمائلها
الأرض دار لها الفيحاء بستان
جرى وصفق يلقانا بها بردى
كما تلقاك دون الخلد رضوان
ولقد ولدت هذه القصيدة في دمشق عام 1925. ولولادتها قصة طريفة، كتبها فخري البارودي في مقالة نشرتها له مجلة المصور المصرية في آب 1956.
ففي عام 1925 زار أمير الشعراء أحمد شوقي دمشق وبصحبته محمد عبد الوهاب. وأقام فخري البارودي حفلة تكريمية لشوقي في منزله بحي القنوات بدمشق. وحضر الحفلة نخبة من محبي الطرب الأصيل. وحضرها أيضاً المطرب المصري السيد الصفتي. وغنّى ليلتها عبد الوهاب فأبدع. وأول أغنية شدا بها كانت (كم بعثنا مع النسيم سلاما) التي لحنها أبو العلا محمد وغنتها أم كلثوم.
أما أحمد شوقي فكان يجلس في ركن من أركان الغرفة ولا يتكلم. وكأنه غائب عمّا حوله. وكانت جفونه ترتعش بين فينة وأخرى، وكأن وحياً كان يهبط إليه بين فينة وأخرى. وفجأة استيقظ من غيبوبته وسأل فخري البارودي:
- عندكم قاموس؟
فأجابه البارودي:
- عندنا قواميس.
وقام فخري البارودي إلى مكتبه، وأحضر لشوقي ثلاثة قواميس هي (تاج العروس) و(القاموس المحيط) و(أقرب الموارد). وسأل شوقي البارودي:
- شوف لي.. هل يصح لغة أن يقال (بغدان) بالنون بدل (بغداد) بالدال؟
وفتح فخري البارودي القاموس، وقال لشوقي:
- يصح.. لقد ورد اسمها (بغداد) و(بغدان) و(بغداذ).
وبالفعل استخدم أحمد شوقي كلمة (بغدان) في بيت من القصيدة يقول:
لولا دمشق لما كانت طليلة
ولما زهت ببني العباس بغدان
كان أحمد شوقي ينظم قصيدته الخالدة في دمشق (قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا). واكتملت القصيدة في دمشق. واستمع الناس إليها لأول مرة في دمشق في حفل تكريم أقيم لأحمد شوقي.
ففي عصر يوم السبت الأول من شهر آب 1925 أقام المجمع العلمي العربي بدمشق (مجمع اللغة العربية حالياً) حفل تكريم لأمير الشعراء أحمد شوقي بمناسبة زيارته تلك لدمشق، فازدحمت قاعات المجمع وباحاته بالحضور الذين وفدوا لحضور الحفل وللتمتع بمرأى الشاعر الكبير، تحدث الشاعر أنور العطار عن وقائع ذلك الحفل فقال:
بدأت الحفلة الشوقية فافتتحها رئيس المجمع الأستاذ محمد كرد علي بتقديم المحتفى به، فاعتذر عن التعرض لشعر شوقي لأنه ليس شاعراً، ولأن الكلام عن الشعر من حق الشعراء وحدهم، فاعتلى المنبر الأستاذ شفيق جبري وأنشد قصيدته الكبرى:‏
غن َ الديـار وقــد نزلـتَ بآلـها ‏
فعسـى القـوافـي أن تذكر آلـها‏
قـم فـي ديار بنـي أميـة باكـياً‏
في الشام إن سمح الهوى أطلالها‏
ثم اعتلى المنبر الأستاذ خليل مردم وأنشد قصيدته البليغة التي يقول مطلعها: ‏
يا شاعراًً والدهر بعض رواته‏
باتـت عـليك تحاسـد الأقـوام‏
للعبقـرية فـي قريضـك طامـع‏
وعليـه مـن أي النبـوغ وسـام‏
ثم كان الكلام للأستاذ الجليل فارس الخوري فأفاض في التحدث عن شوقي وعن شعره إفاضة رائعة طيبة، ثم ألقى الأستاذ فخري البارودي زجلاً رقيقاً في الترحيب بأمير الشعر.
ثم اعتلى المنبر الأستاذ نجيب الريس صاحب جريدة القبس لينوب عن أمير الشعر في إلقاء قصيدته (قم ناج جلق). وكان من عادة أمير الشعر ألاّ يلقي شعره بنفسه بل كان يدفعه إلى آخرين يتلون عنه، فضج الحفل بالتصفيق والهتاف طالبين أن يروا الشاعر. فلبى شوقي الطلب ووقف إلى جانب الأستاذ الريس حتى أتم إلقاء القصيدة.
أحمد بوبس