مفاجآت "مؤسسة التأمينات".. إلى أزمة اجتماعية والمقارنات: إخفاقات وهواجس!!
الأزمنة
الثلاثاء، ١٤ مايو ٢٠١٣
الأزمنة – مروان حمي
بين الفينة والأخرى يطلّ علينا المسؤولون وفي جعبتهم الكثير من المقارنات المستوحاة تارة من النمط الأوروبي المؤمن بأن الأمان الاجتماعي هو النتاج الصحيح للتقدم الاقتصادي، وأن هذا الالتزام بالمطالب الاجتماعية لا يقبل الجدل، وتارة أخرى من النمط الأنجلو ساكسوني الذي يشكل نصيب القطاع العام في تمويل مؤسساته التأمينية 55% مقابل 45% للقطاع الخاص، كما حدث مع أسعار المشتقات النفطية المدعومة ومقارنتها مع دول الجوار إلى أن أصبحت أسعارها تفوق دول الجوار وحتى بعض الدول الأوربية.
آخر هذه المقارنات ما أعلنه مدير عام مؤسسة التأمينات الاجتماعية، أن نسب الاشتراكات في التأمينات في سورية هي في الحدود الدنيا مقارنة مع معظم دول العالم، أيّة دول لا نعلم؟ أيّ عالم لا نعلم أيضاً؟ مقارنة تكاد تكون من ضرب الخيال إزاء "التوجه الاجتماعي الجديد" الذي كفله نهج اقتصاد السوق ولو نظرياً، رغم أن غيرنا يعتبر هذا التوجه التزاماً من القوي صوب الضعيف وتحمّل عبئه مهما كان الثمن.
شرّ البلية
مفاجأة من العيار الثقيل أطلقتها مؤسسة التأمينات الاجتماعية، خلافاً لما توقعه الكثيرون من العاملين في مختلف المؤسسات العامة والخاصة، متأملين منها تخفيضاً لنسب الاشتراكات بموجب صفقة بينها، وبين أرباب العمل. الرد أتى متأخراً كما عوّدنا المسؤولون، رغم مضي نحو 53 سنة على عدم تحديث لوائح وقوانين المؤسسة التي صيغت في العام 1959، فهل يُعقل أن يكون الرد بأن الاشتراك بالتأمينات في سورية هو الأقل عالمياً؟ وأن الاشتراكات في أوروبا تتراوح بين 35 و50%، على حين تتقارب هذه النسب في الدول العربية، وكأن المشكلة في نسب الاشتراكات فقط متناسياً الخدمات المقدمة للمشمّلين.
لربما نسي مدير المؤسسة، أن أوّل نظام للتأمين الاجتماعي بمفهومه المعاصر عُرف في ألمانيا حيث طُبّق نظام التأمين ضد المرض في العام 1883 ثم التأمين ضد إصابات العمل في العام 1884 فتأمين الشيخوخة في العام 1889، وحينها، وبسبب التطبيق الإلزامي الذي شمل جميع عمال الصناعة، تمكّنت الحكومة من امتصاص واستيعاب مطالب التنظيمات النقابية والمعارضة، وذلك من خلال تطبيق أنظمة التأمين الاجتماعي على شرائح واسعة من المجتمع.
التذرع بحجة أن نسب الاشتراك هي الأقل ليست مقنعة ومبررة، فالتأمينات الاجتماعية في السويد على سبيل المثال، والتي تشكل جزءاً هاماً من نظام الأمان السويدي، تشمل كل الأشخاص المقيمين في السويد أو الذين يعملون فيها، وهي توفر الحماية المادية للعائلات والأطفال، أيضاً الأشخاص الذين يعانون من إعاقة أو كانوا في حالة مرض، إضافة إلى المصابين في العمل والشيخوخة. كما أن عضوية السويد في الاتحاد الأوروبي تعطي أيضاً الحق في التمتع بمزايا التأمينات الاجتماعية في دول أخرى ضمن الاتحاد الأوروبي.
بون شاسع بيننا وبين من نقارن أرقامنا مع أرقامهم، فهم يعتبرون الضمان الاجتماعي توجهاً وواجباً فيما نعتبره عبئاً، فشرّ البلية ما يضحك..!
خط أحمر
تخفيض نسب الاشتراكات في التأمينات الاجتماعية أمر غير قابل للنقاش، من وجهة نظر مدير المؤسسة لا بل خط أحمر لا يمكن تجاوزه باتجاه أي تخفيض، نظراً إلى ما يتضمنه من مخاطر كبيرة.
اتحاد العمال كان من أول المشككين في قدرة المؤسسة على التخفيض، لكن شريطة ألّا يؤثر ذلك على الراتب التقاعدي للعامل، وعلى التزام المؤسسة بتقديم خدماتها تجاه العمال، مع تأكيدها إنه في حال الضغط على المؤسسة من الوزارة أو أي جهة أخرى لقبول هذا التخفيض، فإنها لن تستمر بالدفع لأكثر من سنتين أو ثلاث سنوات، وستكون مهددة بالانهيار بعد سنوات قليلة جداً.
أهمية تعديل بعض مواد قانون التأمينات الاجتماعية، برزت منذ سنوات وقد وافقت اللجنة الاقتصادية في الحكومة على تعديلها عام 2004، إلا أن تعديل القانون وصل إلى حائط مسدود. ومع ذلك، فإن هذا لا يعطي المؤسسة مسوغاً لأن ترفع الاشتراكات، بالاستناد إلى دراسات نفذتها شركة لبنانية متخصصة في مجال الضمان الاجتماعي منذ نحو سنة – كما تدّعي- اشترطت للحفاظ على المؤسسة في وضعها الحالي، أن تكون نسبة الاشتراكات 34% على الأقل؟
مبررات غير منطقية في ظروف استثنائية وحتى دواعيها غامضة مع إعلان المؤسسة منذ سنوات دخولها في مشروعات استثمارية من فوائضها، ولا نعلم ما نسبة الاشتراك الأنسب من وجهة نظر المؤسسة لعامل في القطاع العام من الفئة الأولى، أ هي ألفا ليرة مثلاً أو ثلاثة آلاف؟ علماً أن عاملاً مضى على تعيينه نحو ثلاث سنوات، تقتطع المؤسسة منه نحو 1200 ليرة، وهذا بعد تخفيض ضريبة الأرباح على الراتب.
الظروف الراهنة صعبة جداً بالنسبة للمؤسسة وهذه حقيقة جراء تقلص حجم الاشتراكات المورّدة إليها بعد ترك أكثر من 130 ألف عامل لعملهم، فضلاً عن إغلاق المنشآت الخاصة من أصحاب العمل، إضافة إلى عدم التزام مؤسسات الدولة بتسديد نسب الاشتراكات، وهو ما أثّر كثيراً على موارد المؤسسة التي ظلت تقدم الخدمات وفق صناديقها الثلاثة بشكل مستمر، الأمر الذي أدى إلى تقلص حجم السيولة لديها، لكن هذا لا يعني أن تضع خطوطاً حمراء لا يحق للعاملين في مؤسسات القطاع العام تجاوزها..! فالأولى لها، أن ترشّد نفقات فروعها بالمحافظات، إذ ثمة أكثر من خمسة فروع "انكشفت" وأصبحت نفقاتها أكبر من إيراداتها، بينها أهم فرعين (حلب واللاذقية)، والمؤسسة ترسل منذ أكثر من سنة مساعدات لهذه الفروع كي تتمكن من دفع رواتب المتقاعدين.
ضرورات
منذ ما يقارب خمسة عقود، ولوائح وقوانين مؤسسة التأمينات الاجتماعية لم تُحدّث وهو ما حرم منتسبيها حقوقاً جمة علماً أنها أُسست من أجلهم، ورغم أن الأنظمة العالمية تحدِّث أنظمة التقاعد كل 5 سنوات، وتغيِّر القوانين بما يخدم المتقاعد حتى تكون متوافقة مع مستجدات العصر.
ضرورات تمليها الوقائع والثغرات العديدة التي تكتنف القانون النافذ على الأرض، والتي أُقرت عنوة بسبب التدخل الكبير لجهاز الرقابة المالية، وعلى سبيل المثال: تطبيق مرسوم الأعمال الشاقة والمجهدة وتطبيق المادة 58 من قانون التأمينات الاجتماعية، فالمؤسسة وفق قانونها الناظم أعطت الحق للعامل في بعض القطاعات أن يتقاضى راتبين "راتباً حقيقياً أو مستحقاً" وآخر "إضافياً"، مثل عمال "العتالة" الذين يتقاضون راتباً آخر يتجاوز تقريباً حجم راتبهم المستحق، وهم مشتركون في التأمينات الاجتماعية عن الراتبين، إلا أن الجهاز المركزي للرقابة المالية أوقف الرواتب التقاعدية، بحجة أن الراتب التقاعدي الذي يحصل عليه العامل مرتفع، وأجرى حسبة خاصة معتبراً أن سقف الفئة الأولى يجب أن يكون سقف الاشتراك، علماً أن العقد بين المؤمّن عليه وبين المؤسسة يقول: يحق للعامل الاشتراك بكامل الراتب الذي يتقاضاه، وهؤلاء العمال يدفعون منذ عشرات السنين حصة العامل ورب العمل عن كامل الفترة الماضية، أي هناك ضرر كبير لحق بهم، وبعض هؤلاء العمال خرجوا من الخدمة على المرسوم 316 المتعلق بالأعمال الشاقة والمجهدة، وقُبلت استقالاتهم وأُنهيت خدمتهم، وظلوا أكثر من سنة ينتظرون صرف رواتبهم التقاعدية التي لم تصرف حتى الآن بحجة أن هناك بعض الثغرات في المرسوم رقم 316، وغير ذلك الكثير من الثغرات التي ماتزال تحزّ في نفوس أصحابها..!
على ذمة الراوي
وفق ما تكشفه المصادر بين الفترة والأخرى عن انتهاء المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية من إعداد قانون التأمينات الجديد وأنها تضع لمساتها الأخيرة على صياغة بعض المواد والأحكام التي شكلت ثغرات في تطبيق القانون رقم /78/ لعام 2001، فالقانون الجديد يبدو عصرياً وشاملاً ومحققاً لأقصى درجات الفائدة للعاملين في جميع القطاعات والمجالات. فأهم ثغرة تم تلافيها هي إمكانية ضمان العاملين السوريين في جميع دول الاغتراب بينما القديم ضَمِن العاملين في دول الاغتراب الأوربي ولم يضمن الجاليات السورية في الدول العربية. كما أن القانون القديم أي الحالي، يحتسب نسبة 75% لـ30 عاماً من الخدمة في حين تم تعديل سنوات الخدمة ونسبة المعاش التقاعدي ضمن القانون الجديد لتصبح عدد سنوات الخدمة 32 عاماً بنسبة 80%.
من التعديلات أيضاً التي تضمّنها القانون الجديد، السماح بالازدواج التأميني للأشخاص العاملين لدى جهتين إحداهما في القطاع العام والأخرى في الخاص، وبموجب هذا التعديل يستفيد العامل من التأمين في حال كان يعمل في جهتين مختلفتين، كذلك سمح القانون للمرأة بأن تورث راتب زوجها التقاعدي بعد وفاته قبل تقاعدها من العمل في حال كانت موظفة، في حين لم يكن القانون القديم يسمح بذلك. أيضاً رفع قانون التأمين الجديد الحد الأدنى للراتب التقاعدي من 6010 إلى 9765 ليرة بمعدل زيادة أكثر من 65%.
جملة من التعديلات، إن صدقت المصادر، من شأنها حماية العامل وأفراد أسرته من خلال تحريرهم من الخوف على المستقبل، وهو ما يؤدي إلى زيادة الإنتاج لما تشيعه من روح الاستقرار في نفس العامل وجعله ينصرف بكل طاقاته وإمكانياته إلى الإخلاص في العمل ورفع وتيرته.
تساؤلات
حتى اللحظة لم يتناهَ إلى مسامعنا أي خبر أو تلميحات ما إذا كان القانون المزمع الصدور قد لحظ ثغرات العاملين في القطاع الخاص، وخاصة ضمان حقوق الذين يسرّحون تعسفياً؟ فبإمكان المؤسسة أن تلعب دور الوسيط النزيه بين العامل من جهة، وصاحب العمل من جهة أخرى. فهي لمّا تحصل الاشتراكات المستحقة على العامل وصاحب العمل، وتدفعها للعامل عند الحاجة وحين توفر شروط استحقاقها، تكون قد حالت دون دب الخلاف بين العامل وصاحب العمل.
وأنى لنا أن نسأل عن الدور الحيوي والهام لمؤسسة التأمينات الاجتماعية في دعم وتنمية الاقتصاد الوطني والعمل على تطويره، من خلال استثمار احتياطي التأمين لديها بإقامة مشروعات استثمارية تعود بالنفع على العاملين، إضافة إلى إيجاد فرص عمل جديدة لتشغيل عدد أكبر من العمال؟ وتالياً المساعدة في مواجهة خطر البطالة التي لمّا يفعّل صندوقها بعد رغم (الزيطة والزمبليطة) الكبيرة لها، والخلط الذي حصل بخصوص مفهوم العاطل عن العمل والمتعطل، وشروط استحقاق تعويض (الهنا)؟
رغم أن "قانون التأمينات الاجتماعية السوري الصادر أيام الوحدة مع مصر، قد تضمّن تعويض البطالة والتأمين الصحي، لكن لم يتخذ أي إجراء لتفعيلهما باستثناء التأمين الصحي.
ولا نعلم إن كان قانوننا الجديد، يلحظ أي تعويض عائلي للطفل المثير للشجن في بلدنا، إذ لا يتعدى مجموع هذا التعويض مبلغ "450" ليرة سورية موزعة على 200 ليرة سورية للطفل الأول، 150 ليرة للثاني و100 ليرة للثالث، على اعتباره يضاهي القوانين العالمية أوربياً وأمريكياً وآسيوياً وحتى عربياً؟!.