مهندسون باختصاصات لا صرف لها في سوق العمل وخـريجـون يبحـثـون عــن الـفــرص الضــائــعــة
أخبار سورية
الأربعاء، ١٧ يونيو ٢٠١٥
حديثه على هاتفه الخليوي عن تصليح قطع الحاسب لصديقه والدقة المتناهية في الشرح كان يدل على شهادة يحملها أو خبرة يتمتع بها ذلك السائق الذي أوصلنا للمنزل…وطبعاً الفضول دفعنا لسؤاله عن مصدر المعلومات التي يحملها في عقله، ليكون الجواب مختصراً” مهندس الكترونيات واتصالات، لكن معدلي كان ضعيفاً، بالتالي لم أحظ بالفرز في وزارات ومؤسسات الدولة، والعمل في القطاع الخاص يحتاج خبرة وإذا اتجهنا إلى معاهد الكومبيوتر سنجد أنها أغلقت خلال الأزمة وأصبحت نادرة الوجود، فلم يكن لدي حل سوى التوجه إلى أحد الأقارب للعمل لديه بفترة صباحية كسائق تكسي”…
وقبل أن نلتقي بسائق التكسي هذا لم نكن نعلم بوجود مثل هذا الاختصاص في كليات الهندسة في سورية ، بل كان الظن أن كلية الهندسة المعلوماتية هي الوحيدة المختصة بالتكنولوجيا، وهذا ما قادنا في رحلة البحث عن هذه الاختصاصات الضيقة التي يجهلها أغلبنا ويجهلون المعركة الطاحنة التي يخوضها الخريجون في البحث عن عمل لهم ضمن سوق العمل الفارغ أساساً من وظائف لهؤلاء الطلبة… لا نتحدث هنا عن البطالة التي يعاني منها أغلب شبابنا اليوم، وخاصة في ظل الأزمة التي نمر بها وفي ظل فقدان أغلبهم لعملهم، بل نتحدث عن بطالة هؤلاء المهندسين ذوي الاختصاصات الضيقة ممن تعلموا واجتهدوا أملاً بالحصول على عمل يليق بمستوى التعب والجهد الذي بذلوه ليجدوا أبواب البطالة مفتوحة أمامهم ونيران الفقر تلتهم أجسادهم..
اختصاصات ثقيلة
بدأنا في البحث من أحد الأقرباء وهو خريج هندسة بحرية منذ سنوات عديدة، ابتسم الحظ أخيراً له بعد محاولات عديدة في التقدم لوظيفة في وزارات الدولة وهيئاتها ومؤسساتها ليتم تعيينه هذه السنة في قسم الامتحانات بكلية التربية في جامعة تشرين، وديع مهنا المهندس البحري الذي عاش تجربة البطالة والندم على دخوله هذا الاختصاص قادنا لرفاقه الذين ما زالوا يعيشون هذه المحنة ومنهم من فقد الأمل في العثور على فرصة عمل في بلده وبدأ التفكير والمراسلة لدول يحتاج سوق عملها لهذه الاختصاصات، عبد القادر “مهندس سيارات وآلات ثقيلة” تحدث لنا عن جرعات الأمل التي أعطاها له الأصدقاء والأهل ومن ثم أساتذة الكلية هو ومن كان معه في هذا القسم عند دخولهم لاختصاص آلات ثقيلة بعد أن اتجهت سورية إلى نهضة صناعية وتوجهت إلى صناعة السيارات منطلقة من تصنيع سيارة “شام”، لكن الواقع عند التخرج كان ثقيلاً له وللعديد من أصدقائه الذين اختاروا طريق السفر لدول مصنعة للآليات الثقيلة، ومنهم من جلس معه بانتظار فرصة عمل ليس بالضرورة تليق باختصاصه، وهذا ما جعله اليوم يشارك صديقين له من نفس الاختصاص بإدارة ورشة صغيرة في قريته لتصليح السيارات.
طربوش الخارج
خمسون عاماً لم أفقد الأمل وأملك من العزم والقوة ما يجعلني أتابع مهمتي في الدفاع عن حقوق المهندسين، بهذه الكلمات بدأ حديثه” سعد أحمد” أمين سر نقابة المهندسين سابقاً معنا والذي لمسنا في النقابة عمله وسعيه للحفاظ على حقوق المهندسين خاصة من الاختصاصات المحدودة…
أمين السر امتلك من الجرأة ما يكفي للتحدث عن حوالى عشرين سنة مضت وإلى اليوم أمضاها وهو يستنجد وزراء التعليم المتعاقبين للتوقف عن تخريج مهندسين من اختصاصات ضيقة لا عمل لهم في سوق العمل، ولكن عبثاً محاولاته، فالدولة بحاجة لتخصصات ضيقة قليلة وبأعداد قليلة كتخصصات السدود والبيئة والطرق، لكن عندما تقوم كليات الهندسة بتخريج طلاب وبأعداد هائلة بتخصصات نووية وآلات ثقيلة وطبوغرافية وجيوتكنيكية وغيرها مما لا يحتاجها سوق عملنا عندها تصبح الكارثة حقيقة تستوجب التدخل من جميع الجهات ليس من نقابتنا فقط، ضارباً المثل بخريجي الهندسة النووية الذين قصدوا النقابة وغيرهم من خريجي هندسة السدود واختصاصات أخرى لم نستطع مساعدتهم ، فهؤلاء لا يستطيعون فتح مكاتب خاصة، ووزاراتنا غير قادرة على استقبالهم، ومنذ 1997 وحتى اليوم ونحن نرجو وزارة التعليم أن تترك هذه التخصصات لمراحل الدراسات العليا والدكتوراه، والمشكلة من وجهة نظر أحمد أن دراسة الهندسة مكلفة وليست ترفاً ولا ثقافة عامة حيث يكلف المهندس حتى يتخرج من الجامعة خمسة أضعاف زميله من كليات أخرى، ونحن لسنا نملك ثراء فاحشاً لتخريج مهندس لا عمل له في دولتنا، بل نقوم بدفعه للعمل لدول أخرى، وفي المحصلة نكون قد أضعنا الجهد والمال لتصدير مهندسين لدول الخليج و أوروبا، فالدولة تنفق حوالى 3 ملايين على طالب الهندسة كي يتخرج وتقول له مع السلامة للخارج، ولأن جهودنا في النقابة باءت بالفشل وما استطعنا فعله هو تحويل مهندسي السدود والطرق والبيئة إلى مهندسي إنشاءات مثلاً من خلال إجراء دورات لإعادة تأهيلهم ليتمكنوا من العمل في سوق العمل المتاحة لدينا، وبالرغم من الاتفاقيات التي وضعت بيننا وبين وزارة العمل ووزارة التعليم لحل مشكلة هؤلاء المهندسين والتي كان آخرها في 2013 إلا أنها انتهت مثلما بدأت فارغة اليدين لا حول ولا قوة لها ، ليبقى الحل برأي أمين السر هو إغلاق هذه الكليات لفترة معينة ريثما يصبح سوق العمل يملك عملاً خاصاً لهذه التخصصات التي وفدت إلينا من الخارج والتي تم تفصيل رأسها بما يناسب طربوش الأساتذة التي حملوها من الخارج وجاؤوا يلهثون لتدريسها لأبنائنا في بلد لا يملك فرصاً وعملاً للخريجين.
استقطاب لمهندسينا
واليوم نقابة المهندسين، وحسب ما ذكره سعد أحمد، بصدد تشكيل لجنة مكونة من مندوب عن هيئة تخطيط الدولة ومعاون وزير التعليم العالي ومجموعة من كليات الهندسة في الجامعات السورية ونقابة المهندسين، تهدف لترك هذه التخصصات لسنوات الدراسات العليا، والتعاون مع الوزارة في إعادة تأهيل من تم تخريجهم من هذه التخصصات وتحويلهم إلى تخصص عام، في المقابل وجدنا في النقابة من وقف موقف الدفاع من هذه التخصصات، حيث لمس الدكتور فيصل العمر رئيس لجنة المكتب الصحفي في النقابة أهمية ومبرر وجود هذه التخصصات الضيقة في بلدنا، فنحن دولة سعت وتسعى للنهضة بجميع النواحي، وكانت منذ عام 2005 على موعد مع التحليق لمواكبة الدول المتقدمة لتصبح هونغ كونغ الشرق الأوسط، لذا سعت العديد من الجامعات لفتح تخصصات لم تكن موجودة سابقاً، ليس فقط في الهندسة، ولكن الأزمة التي تعرضت لها البلاد جعلت هذا التحليق يتوقف لفترة، وإذا نظرنا إلى مشكلة هؤلاء المهندسين من منظور اجتماعي بحت نرى أن واجب الحكومة إيجاد عمل لهم أو خلق طريقة لتصنيفهم مع مهندسين ذوي اختصاصات عامة ومطلوبة في سوق العمل السورية، أما إذا نظرنا للموضوع من منظور اقتصادي سنعترف بعدم قدرة الدولة على تعيين كل الخريجين، خاصة اليوم ونحن نعيش في العصر المنخفض للدورة الاقتصادية بسبب العقوبات والأزمة، لكن المؤشرات أكيدة من أن عدد المهندسين الموجودين في البلد عندما تعود الظروف إلى وضعها الطبيعي سيكون أقل بكثير من حاجة السوق لهم، لذا هناك توجه من الآن لاستقطاب أكبر عدد من المهندسين السوريين من كافة التخصصات العامة والضيقة، نظراً للحاجة الكبيرة لهم سواء من خلال الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات التي اكتسبوها من تلك الدول ووضعها في خدمة بلدنا، ومن جانب آخر توسيع سوق العمل بالنسبة للمهندسين السوريين، ولم يجد “العمر” أي عائق يقف في وجه مهندسي الاختصاصات الضيقة، حيث يوجد في النقابة حوالي 140 ألف مهندس مسجل لديها من جميع المحافظات، ويصل عددهم إلى 35 ألف مهندس في دمشق و24 في حلب، وعدد المهندسين من التخصصات الضيقة لا يتجاوز 2000 مهندس، أي أقل من 10% لذا لا يوجد مبرر برأيه لخلق مشكلة لهم، فنحن في مرحلة إعادة الإعمار سنكون بحاجة لجميع التخصصات.
لا بطالة ولا كساد
عمداء كليات الهندسة لم يعترفوا بوجود بطالة عند خريجي الهندسات ذوي الاختصاصات الضيقة، فمشكلة البطالة تمتد، حسب رأي يسار عابدين، “عميد كلية الهندسة المعمارية “، لتشمل أحياناً الاختصاصات العامة، وكليات الهندسة عموماً لا تقوم بقبول عدد ما يستلزمه سوق العمل المحلي فقط، بل نقوم بتخريج مهندسين بناء على تطلعات الشباب وسوق المهنة المحلي والإقليمي، وسنوياً يتم تخريج حوالي 400 مهندس عمارة، ومن وجهة نظر عابدين لا يوجد أحد منهم عاطل عن العمل، بالرغم من إغلاق الكثيرين لمكاتبهم الخاصة في ظل الأزمة التي تعرضنا لها وعدم فرز الدولة لأعداد كبيرة من خريجي هندسة العمارة حتى لا تقع في مشكلة البطالة المقنعة، إلا أن مجالات العمل لخريجينا واسعة داخل وخارج القطر، ووافقه الرأي الدكتور حسين تينة ” عميد كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية” والذي بدوره لم يعترف بوجود كساد ولا بطالة في الكلية التي تضم سبعة اختصاصات ضيقة، حيث يبلغ عدد الذين يتم فرزهم بمؤسسات الدولة 90% من الخريجين، عدا السنة الماضية، حيث كانت نسبة الفرز ضئيلة، وعن الاختصاصات الضيقة التي تضمها الكلية من هندسة تصميم ميكانيكي وآلات ثقيلة وهندسة طبية ونووية و…
اعترف تينة بكساد خريجي الهندسة النووية، فقط مما اضطرهم لإلغاء هذا القسم منذ ثلاث سنوات، وقام الخريجون بالسفر للخارج، ومنهم من بقي ينتظر فرصة عمل في البلد، في حين دافع عن باقي الاختصاصات التي يحتاجها سوق العمل برأيه قبل الأزمة وبعد الأزمة، فدول العالم عندما تقوم بتدريس أبنائها لا يكون هدفها توظيف الشخص فقط بل أيضاً تصدير عمالة متعلمة لدول أخرى أفضل من تصدير عمالة جاهلة، فمهندسو تصميم ميكانيك بعد أن أغلقت الكثير من المعامل خلال الأزمة اتجهوا للعمل في الخارج، إذاً لا توجد هنا بطالة، كذلك الأمر بالنسبة لمهندسي الآلات الثقيلة والتي تم إحداث هذا القسم في فترة النهوض الصناعي للبلد، تم اليوم فرزهم في وزارة النقل ومرآب الوزارات والمؤسسات الحكومية بانتظار عودة الأوضاع ومتابعة مسيرة النهضة من جديد. فمشكلة خريجي ذوي الاختصاصات الضيقة ليست بالبطالة والكساد بل بالبطالة المقنعة، فخريجو هندسة الغزل والنسيج لا يتم فرزهم إلى وزارة الصناعة ومؤسسات النسيج ، فلا يوجد أي خريج هندسة غزل ونسيج تم فرزه إلى وزارة الصناعة، بل يتم فرزهم إلى وزارة الصحة، حيث لا عمل لهم هناك، وهذا نابع من عدم ثقة الوزارة بخريجي كليتنا ولا حتى بالأساتذة المشرفين على تدريسهم.
تهرب من المسؤولية
كلية الهندسة المدنية في دمشق كانت الأشجع باتخاذ خطوة إغلاق الأقسام ذات التخصصات الضيقة، فمنذ الثمانينات كانت هناك اختصاصات عديدة من هندسة إنشائية، وجيوتكنيكية، وطبوغرافية، وهندسة مائية، وغيرها من التخصصات التي تم إلغاؤها في 2006، حيث أقرت الخطة الدراسية الجديدة تحت اسم: ” هندسة مدنية – اختصاص عام”، وعندما وقعت مشكلة سد زيزون، تم إحداث قسم هندسة الري والصرف عام 2000 في مختلف الجامعات السورية، ولكن حسب رأي الدكتور محمد غريب، “عميد كلية الهندسة المدنية”، تمت ملاحظة وجود مشاكل تواجه خريجي هذا الاختصاص، وخاصة على مستوى نقابة المهندسين، لذا تم إلغاء هذا القسم أيضاً في كليتنا بجامعة دمشق.
كلية الهندسة المدنية في دمشق فقط كانت السباقة للتعاون مع نقابة المهندسين لحل مشكلة بطالة المهندسين ذوي الاختصاصات الضيقة، وقامت الكلية بمساعدة الخريجين من هذه التخصصات بالعثور على فرص عمل من خلال تقديم مواد محددة لتعديل الاختصاص، ويحصل الطالب في النهاية على اختصاص مهندس مدني عام، أما باقي الاختصاصات فباستطاعة المهندس متابعتها في الماجستير والدكتوراه، أما عن بقاء هذه التخصصات في كليات الهندسة المدنية في باقي المحافظات، فلم يجد غريب أي مبرر، طالباً منا التوجه لوزارة التعليم للعثور على إجابة للعديد من التساؤلات، والتي تمنّعت بدورها عن توضيح بعض الأسئلة، مكتفية باستعراض عدد الخريجين الذين تقوم الحكومة بفرزهم في كل عام، وإلقاء المسؤولية على كاهل الآخرين ممن نجهلهم!.
خسارة اقتصادية
الدكتور عابد فضلية “خبير اقتصادي” حذر من تفاقم حجم البطالة في صفوف المهندسين ذوي الاختصاصات الضيقة، وسط غياب واضح للتخطيط السليم في مخرجات التعليم الجامعي، وتنامي ظاهرة تسرب الكفاءات العلمية إلى دول الخارج، وعلى نقابة المهندسين تقع كامل المسؤولية لردم الهوة بين مخرجات التعليم، وسوق العمل، فخريجو الهندسات، ذوو الاختصاصات الضيقة، ذوو الأريحية، هاجروا ليكملوا دراستهم في دول أخرى، ولتستفيد منهم تلك الدول بعد أن كلفوا ميزانية الدولة ميزانية كبيرة، وآخرون ممن يملكون بعض المعارف استطاعوا إيجاد فرص عمل ليست ضمن اختصاصهم، ولكن في ظل ما نشهده من ترد اقتصادي تكون أية فرصة عمل هي أفضل من البطالة، فبطالة المهندسين أشد الأمثلة قرباً إلى الواقع على إهدار الطاقات الشابة التي يجب أن يكون مكانها الطبيعي في كبريات الشركات، أو مراكز البحث العلمي، ما يؤكد أن كل يوم يقضيه المهندس خارج مكانه المناسب هو في حقيقة الأمر خسارة اقتصادية كبيرة للدولة، والمطلوب اليوم، وبعدما تيقن الطلاب معاناة من سبقهم ممن درسوا في أقسام هندسية ضيقة في مجال العمل، أن يعي الأهل والأبناء والمجتمع ضرورة توجيه الأبناء لدراسة اختصاصات مطلوبة في سوق العمل حتى في ظل الأزمات، والمطلوب أيضاً اتخاذ إجراءات وقائية لتجنب تفاقم مشكلة البطالة مستقبلاً ، داعياً وزارة التعليم العالي والجامعات أن تأخذ الدراسة التي أجرتها نقابة المهندسين على محمل الجد.
ميس بركات- البعث
وقبل أن نلتقي بسائق التكسي هذا لم نكن نعلم بوجود مثل هذا الاختصاص في كليات الهندسة في سورية ، بل كان الظن أن كلية الهندسة المعلوماتية هي الوحيدة المختصة بالتكنولوجيا، وهذا ما قادنا في رحلة البحث عن هذه الاختصاصات الضيقة التي يجهلها أغلبنا ويجهلون المعركة الطاحنة التي يخوضها الخريجون في البحث عن عمل لهم ضمن سوق العمل الفارغ أساساً من وظائف لهؤلاء الطلبة… لا نتحدث هنا عن البطالة التي يعاني منها أغلب شبابنا اليوم، وخاصة في ظل الأزمة التي نمر بها وفي ظل فقدان أغلبهم لعملهم، بل نتحدث عن بطالة هؤلاء المهندسين ذوي الاختصاصات الضيقة ممن تعلموا واجتهدوا أملاً بالحصول على عمل يليق بمستوى التعب والجهد الذي بذلوه ليجدوا أبواب البطالة مفتوحة أمامهم ونيران الفقر تلتهم أجسادهم..
اختصاصات ثقيلة
بدأنا في البحث من أحد الأقرباء وهو خريج هندسة بحرية منذ سنوات عديدة، ابتسم الحظ أخيراً له بعد محاولات عديدة في التقدم لوظيفة في وزارات الدولة وهيئاتها ومؤسساتها ليتم تعيينه هذه السنة في قسم الامتحانات بكلية التربية في جامعة تشرين، وديع مهنا المهندس البحري الذي عاش تجربة البطالة والندم على دخوله هذا الاختصاص قادنا لرفاقه الذين ما زالوا يعيشون هذه المحنة ومنهم من فقد الأمل في العثور على فرصة عمل في بلده وبدأ التفكير والمراسلة لدول يحتاج سوق عملها لهذه الاختصاصات، عبد القادر “مهندس سيارات وآلات ثقيلة” تحدث لنا عن جرعات الأمل التي أعطاها له الأصدقاء والأهل ومن ثم أساتذة الكلية هو ومن كان معه في هذا القسم عند دخولهم لاختصاص آلات ثقيلة بعد أن اتجهت سورية إلى نهضة صناعية وتوجهت إلى صناعة السيارات منطلقة من تصنيع سيارة “شام”، لكن الواقع عند التخرج كان ثقيلاً له وللعديد من أصدقائه الذين اختاروا طريق السفر لدول مصنعة للآليات الثقيلة، ومنهم من جلس معه بانتظار فرصة عمل ليس بالضرورة تليق باختصاصه، وهذا ما جعله اليوم يشارك صديقين له من نفس الاختصاص بإدارة ورشة صغيرة في قريته لتصليح السيارات.
طربوش الخارج
خمسون عاماً لم أفقد الأمل وأملك من العزم والقوة ما يجعلني أتابع مهمتي في الدفاع عن حقوق المهندسين، بهذه الكلمات بدأ حديثه” سعد أحمد” أمين سر نقابة المهندسين سابقاً معنا والذي لمسنا في النقابة عمله وسعيه للحفاظ على حقوق المهندسين خاصة من الاختصاصات المحدودة…
أمين السر امتلك من الجرأة ما يكفي للتحدث عن حوالى عشرين سنة مضت وإلى اليوم أمضاها وهو يستنجد وزراء التعليم المتعاقبين للتوقف عن تخريج مهندسين من اختصاصات ضيقة لا عمل لهم في سوق العمل، ولكن عبثاً محاولاته، فالدولة بحاجة لتخصصات ضيقة قليلة وبأعداد قليلة كتخصصات السدود والبيئة والطرق، لكن عندما تقوم كليات الهندسة بتخريج طلاب وبأعداد هائلة بتخصصات نووية وآلات ثقيلة وطبوغرافية وجيوتكنيكية وغيرها مما لا يحتاجها سوق عملنا عندها تصبح الكارثة حقيقة تستوجب التدخل من جميع الجهات ليس من نقابتنا فقط، ضارباً المثل بخريجي الهندسة النووية الذين قصدوا النقابة وغيرهم من خريجي هندسة السدود واختصاصات أخرى لم نستطع مساعدتهم ، فهؤلاء لا يستطيعون فتح مكاتب خاصة، ووزاراتنا غير قادرة على استقبالهم، ومنذ 1997 وحتى اليوم ونحن نرجو وزارة التعليم أن تترك هذه التخصصات لمراحل الدراسات العليا والدكتوراه، والمشكلة من وجهة نظر أحمد أن دراسة الهندسة مكلفة وليست ترفاً ولا ثقافة عامة حيث يكلف المهندس حتى يتخرج من الجامعة خمسة أضعاف زميله من كليات أخرى، ونحن لسنا نملك ثراء فاحشاً لتخريج مهندس لا عمل له في دولتنا، بل نقوم بدفعه للعمل لدول أخرى، وفي المحصلة نكون قد أضعنا الجهد والمال لتصدير مهندسين لدول الخليج و أوروبا، فالدولة تنفق حوالى 3 ملايين على طالب الهندسة كي يتخرج وتقول له مع السلامة للخارج، ولأن جهودنا في النقابة باءت بالفشل وما استطعنا فعله هو تحويل مهندسي السدود والطرق والبيئة إلى مهندسي إنشاءات مثلاً من خلال إجراء دورات لإعادة تأهيلهم ليتمكنوا من العمل في سوق العمل المتاحة لدينا، وبالرغم من الاتفاقيات التي وضعت بيننا وبين وزارة العمل ووزارة التعليم لحل مشكلة هؤلاء المهندسين والتي كان آخرها في 2013 إلا أنها انتهت مثلما بدأت فارغة اليدين لا حول ولا قوة لها ، ليبقى الحل برأي أمين السر هو إغلاق هذه الكليات لفترة معينة ريثما يصبح سوق العمل يملك عملاً خاصاً لهذه التخصصات التي وفدت إلينا من الخارج والتي تم تفصيل رأسها بما يناسب طربوش الأساتذة التي حملوها من الخارج وجاؤوا يلهثون لتدريسها لأبنائنا في بلد لا يملك فرصاً وعملاً للخريجين.
استقطاب لمهندسينا
واليوم نقابة المهندسين، وحسب ما ذكره سعد أحمد، بصدد تشكيل لجنة مكونة من مندوب عن هيئة تخطيط الدولة ومعاون وزير التعليم العالي ومجموعة من كليات الهندسة في الجامعات السورية ونقابة المهندسين، تهدف لترك هذه التخصصات لسنوات الدراسات العليا، والتعاون مع الوزارة في إعادة تأهيل من تم تخريجهم من هذه التخصصات وتحويلهم إلى تخصص عام، في المقابل وجدنا في النقابة من وقف موقف الدفاع من هذه التخصصات، حيث لمس الدكتور فيصل العمر رئيس لجنة المكتب الصحفي في النقابة أهمية ومبرر وجود هذه التخصصات الضيقة في بلدنا، فنحن دولة سعت وتسعى للنهضة بجميع النواحي، وكانت منذ عام 2005 على موعد مع التحليق لمواكبة الدول المتقدمة لتصبح هونغ كونغ الشرق الأوسط، لذا سعت العديد من الجامعات لفتح تخصصات لم تكن موجودة سابقاً، ليس فقط في الهندسة، ولكن الأزمة التي تعرضت لها البلاد جعلت هذا التحليق يتوقف لفترة، وإذا نظرنا إلى مشكلة هؤلاء المهندسين من منظور اجتماعي بحت نرى أن واجب الحكومة إيجاد عمل لهم أو خلق طريقة لتصنيفهم مع مهندسين ذوي اختصاصات عامة ومطلوبة في سوق العمل السورية، أما إذا نظرنا للموضوع من منظور اقتصادي سنعترف بعدم قدرة الدولة على تعيين كل الخريجين، خاصة اليوم ونحن نعيش في العصر المنخفض للدورة الاقتصادية بسبب العقوبات والأزمة، لكن المؤشرات أكيدة من أن عدد المهندسين الموجودين في البلد عندما تعود الظروف إلى وضعها الطبيعي سيكون أقل بكثير من حاجة السوق لهم، لذا هناك توجه من الآن لاستقطاب أكبر عدد من المهندسين السوريين من كافة التخصصات العامة والضيقة، نظراً للحاجة الكبيرة لهم سواء من خلال الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات التي اكتسبوها من تلك الدول ووضعها في خدمة بلدنا، ومن جانب آخر توسيع سوق العمل بالنسبة للمهندسين السوريين، ولم يجد “العمر” أي عائق يقف في وجه مهندسي الاختصاصات الضيقة، حيث يوجد في النقابة حوالي 140 ألف مهندس مسجل لديها من جميع المحافظات، ويصل عددهم إلى 35 ألف مهندس في دمشق و24 في حلب، وعدد المهندسين من التخصصات الضيقة لا يتجاوز 2000 مهندس، أي أقل من 10% لذا لا يوجد مبرر برأيه لخلق مشكلة لهم، فنحن في مرحلة إعادة الإعمار سنكون بحاجة لجميع التخصصات.
لا بطالة ولا كساد
عمداء كليات الهندسة لم يعترفوا بوجود بطالة عند خريجي الهندسات ذوي الاختصاصات الضيقة، فمشكلة البطالة تمتد، حسب رأي يسار عابدين، “عميد كلية الهندسة المعمارية “، لتشمل أحياناً الاختصاصات العامة، وكليات الهندسة عموماً لا تقوم بقبول عدد ما يستلزمه سوق العمل المحلي فقط، بل نقوم بتخريج مهندسين بناء على تطلعات الشباب وسوق المهنة المحلي والإقليمي، وسنوياً يتم تخريج حوالي 400 مهندس عمارة، ومن وجهة نظر عابدين لا يوجد أحد منهم عاطل عن العمل، بالرغم من إغلاق الكثيرين لمكاتبهم الخاصة في ظل الأزمة التي تعرضنا لها وعدم فرز الدولة لأعداد كبيرة من خريجي هندسة العمارة حتى لا تقع في مشكلة البطالة المقنعة، إلا أن مجالات العمل لخريجينا واسعة داخل وخارج القطر، ووافقه الرأي الدكتور حسين تينة ” عميد كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية” والذي بدوره لم يعترف بوجود كساد ولا بطالة في الكلية التي تضم سبعة اختصاصات ضيقة، حيث يبلغ عدد الذين يتم فرزهم بمؤسسات الدولة 90% من الخريجين، عدا السنة الماضية، حيث كانت نسبة الفرز ضئيلة، وعن الاختصاصات الضيقة التي تضمها الكلية من هندسة تصميم ميكانيكي وآلات ثقيلة وهندسة طبية ونووية و…
اعترف تينة بكساد خريجي الهندسة النووية، فقط مما اضطرهم لإلغاء هذا القسم منذ ثلاث سنوات، وقام الخريجون بالسفر للخارج، ومنهم من بقي ينتظر فرصة عمل في البلد، في حين دافع عن باقي الاختصاصات التي يحتاجها سوق العمل برأيه قبل الأزمة وبعد الأزمة، فدول العالم عندما تقوم بتدريس أبنائها لا يكون هدفها توظيف الشخص فقط بل أيضاً تصدير عمالة متعلمة لدول أخرى أفضل من تصدير عمالة جاهلة، فمهندسو تصميم ميكانيك بعد أن أغلقت الكثير من المعامل خلال الأزمة اتجهوا للعمل في الخارج، إذاً لا توجد هنا بطالة، كذلك الأمر بالنسبة لمهندسي الآلات الثقيلة والتي تم إحداث هذا القسم في فترة النهوض الصناعي للبلد، تم اليوم فرزهم في وزارة النقل ومرآب الوزارات والمؤسسات الحكومية بانتظار عودة الأوضاع ومتابعة مسيرة النهضة من جديد. فمشكلة خريجي ذوي الاختصاصات الضيقة ليست بالبطالة والكساد بل بالبطالة المقنعة، فخريجو هندسة الغزل والنسيج لا يتم فرزهم إلى وزارة الصناعة ومؤسسات النسيج ، فلا يوجد أي خريج هندسة غزل ونسيج تم فرزه إلى وزارة الصناعة، بل يتم فرزهم إلى وزارة الصحة، حيث لا عمل لهم هناك، وهذا نابع من عدم ثقة الوزارة بخريجي كليتنا ولا حتى بالأساتذة المشرفين على تدريسهم.
تهرب من المسؤولية
كلية الهندسة المدنية في دمشق كانت الأشجع باتخاذ خطوة إغلاق الأقسام ذات التخصصات الضيقة، فمنذ الثمانينات كانت هناك اختصاصات عديدة من هندسة إنشائية، وجيوتكنيكية، وطبوغرافية، وهندسة مائية، وغيرها من التخصصات التي تم إلغاؤها في 2006، حيث أقرت الخطة الدراسية الجديدة تحت اسم: ” هندسة مدنية – اختصاص عام”، وعندما وقعت مشكلة سد زيزون، تم إحداث قسم هندسة الري والصرف عام 2000 في مختلف الجامعات السورية، ولكن حسب رأي الدكتور محمد غريب، “عميد كلية الهندسة المدنية”، تمت ملاحظة وجود مشاكل تواجه خريجي هذا الاختصاص، وخاصة على مستوى نقابة المهندسين، لذا تم إلغاء هذا القسم أيضاً في كليتنا بجامعة دمشق.
كلية الهندسة المدنية في دمشق فقط كانت السباقة للتعاون مع نقابة المهندسين لحل مشكلة بطالة المهندسين ذوي الاختصاصات الضيقة، وقامت الكلية بمساعدة الخريجين من هذه التخصصات بالعثور على فرص عمل من خلال تقديم مواد محددة لتعديل الاختصاص، ويحصل الطالب في النهاية على اختصاص مهندس مدني عام، أما باقي الاختصاصات فباستطاعة المهندس متابعتها في الماجستير والدكتوراه، أما عن بقاء هذه التخصصات في كليات الهندسة المدنية في باقي المحافظات، فلم يجد غريب أي مبرر، طالباً منا التوجه لوزارة التعليم للعثور على إجابة للعديد من التساؤلات، والتي تمنّعت بدورها عن توضيح بعض الأسئلة، مكتفية باستعراض عدد الخريجين الذين تقوم الحكومة بفرزهم في كل عام، وإلقاء المسؤولية على كاهل الآخرين ممن نجهلهم!.
خسارة اقتصادية
الدكتور عابد فضلية “خبير اقتصادي” حذر من تفاقم حجم البطالة في صفوف المهندسين ذوي الاختصاصات الضيقة، وسط غياب واضح للتخطيط السليم في مخرجات التعليم الجامعي، وتنامي ظاهرة تسرب الكفاءات العلمية إلى دول الخارج، وعلى نقابة المهندسين تقع كامل المسؤولية لردم الهوة بين مخرجات التعليم، وسوق العمل، فخريجو الهندسات، ذوو الاختصاصات الضيقة، ذوو الأريحية، هاجروا ليكملوا دراستهم في دول أخرى، ولتستفيد منهم تلك الدول بعد أن كلفوا ميزانية الدولة ميزانية كبيرة، وآخرون ممن يملكون بعض المعارف استطاعوا إيجاد فرص عمل ليست ضمن اختصاصهم، ولكن في ظل ما نشهده من ترد اقتصادي تكون أية فرصة عمل هي أفضل من البطالة، فبطالة المهندسين أشد الأمثلة قرباً إلى الواقع على إهدار الطاقات الشابة التي يجب أن يكون مكانها الطبيعي في كبريات الشركات، أو مراكز البحث العلمي، ما يؤكد أن كل يوم يقضيه المهندس خارج مكانه المناسب هو في حقيقة الأمر خسارة اقتصادية كبيرة للدولة، والمطلوب اليوم، وبعدما تيقن الطلاب معاناة من سبقهم ممن درسوا في أقسام هندسية ضيقة في مجال العمل، أن يعي الأهل والأبناء والمجتمع ضرورة توجيه الأبناء لدراسة اختصاصات مطلوبة في سوق العمل حتى في ظل الأزمات، والمطلوب أيضاً اتخاذ إجراءات وقائية لتجنب تفاقم مشكلة البطالة مستقبلاً ، داعياً وزارة التعليم العالي والجامعات أن تأخذ الدراسة التي أجرتها نقابة المهندسين على محمل الجد.
ميس بركات- البعث