قراءة في الأدب الوجيز بقلم: عتاب السعد

ثقافة

الأحد، ٢٨ أبريل ٢٠٢٤

من دون شك أنّ التكنولوجيا الحديثة أصبحت خبزنا اليومي.

غزت أسلوب حياتنا وغلّفت أفكارنا بما يتماشى مع عصرنا، تتبعت الأجناس الأدبية هذا التطور وطفحت المواقع الالكترونية بنصوص أدبية مقتضبة مكثفة تنوعت شعراً وجيزاً ونثراً وجيزاً كالقصة القصيرة جداً والومضة وغيرها . . ومن أمثلتها هذا النص التأملي للأديب جورج حاجوج

نكتب ونقرأ،

نتكئ على الحروف والكلمات..

كعرافة لعوب تخاتلنا،

تبيعنا الأوهام،

ونشتري منها ما يشبه الحياة!!

والتزم الشاعر طراد سليم طه بأسلوب الشطرين والموسيقا ضمن إطار الأدب الوجيز كقوله

عروبتكم  منها    وأحلامكم      بها

ويرخصُ في صوتٍ لها المالُ والدَمُ

أغيثوا بحرفٍ غزةَ العزِّ  وانطقوا

فبابُ    جنانِ   اللهِ    مفتاحُهُ الفمُ

وفي قصة صندوق أسود للكاتب نزار الحاج علي جاء المعنى متلائماً مع شكل القصة القصيرة

في المقهى الصغير الجميع هنا يخاطبون بعضهم بصمت، و ينفضون غبارهم على الأرض.

تعلْمَ ثائر خلال سنوات عمله الطويلة هنا، أن يركّز  على الأركان والزوايا المعتمة، فهناك غالباً ما كانت تتراكم…الأحاديث العالقة.

وما يجمع الأنواع المختلفة عمق السرد ومخاطبة خيال المتلقي والعودة إلى السجع كقول لينا حمدان 

مذ قامت الحياة

منذُ اندلاعِ الحرفِ عبرَ صفحةِ الوجود ..

 كعشبةِ الخلود   

 للحبِّ لهفةُ الشراعِ في سطورنا   كزورق النجاة.

و تستمدّ أشكال الأدب الوجيز قيمتها من إبداعها الفريد وطاقاتها المتنامية في التأثير وغنى عمقها.. كقول  الشاعر محمد عيسى

الليلُ غمدُ النهار، والمساء مقبضه

ولكن الفجر..

هو الطـعنة التي تفاجئنا ونحن نيام..

وتأخذ كاف التشبيه مكانتها في نصوص الأديب علي الراعي مع الشعور المتوهج والتكثيف كقوله :

في ثنايا جسدي،تعششُ رائحتُك؛

تماماً كمبيتِ العصافير

في ثنيّات الشجر

ويتميز الأدب الوجيز بأنه إطار لعناصر متكاملة أهمها المتعة المتأرجحة بين الدهشة والمفارقة مع الشاعرية والتشظي وصدق الكلمات وعمقها كما جاء في نص الأديب  محمد عضيمة.

لا شيء لكم عندي أبداً..لا شيء‏

إذا ما قرأت قصائدكم بالمقلوب‏

كما يرتدي الأطفال‏ ثيابهم‏

أو‏ صنادلهم بالمقلوب..‏

 

تتضافر عناصر الأدب الوجيز لتخلق في النص وعياً داخلياً ينهض من عناصر المشهدية والمكانية مرتكزاً على الإضافة الإبداعية و اتساع دائرة الرؤيا. كالنص الآتي  للشاعرة طهران صارم

 وقت

في نشوة الوقت

حين تزهر الغابة

ويشق الصمت

أنين المتعبين

لا تؤمنوا بنبوءات العرافين

بقواعدهم المحفوفة بالشوك والاسلاك

لا تؤمنوا بموت أو عدم

فقط راقبوا تبدل الفصول

تلك التي ستزهر من أقواس السؤال

أو من عين الدهشة

لتشد من أزر الحياة ..

و عندما تتحرر دعائم اللغة من قيود الحشو وتتخلص من اللف والدوران حول الفكرة ينمو الإيقاع الداخلي للنص و يشحن بطاقة عظيمة تطلق المعنى وهذا ما نجده في نص الأديب ابراهيم حسون

الفكرة ..

كل يوم ؛أسرح شعرها ..ثم أجدله ..

ثم أفكه وأمشطه وأترك أصابعي ..تغلٓ فيه

تزرع فيه معانيها

وعلى نغماته .. توزع أغانيها

أمسح على رأسها

أهدهد له ؛ لتنعس ..

علٓها تعيرني ملداً من نومها

وتستند نصوص الأدب الوجيز على قدرة اللغة على تطوير مدلولاتها و تنطلق من الاتساع الداخلي في اللغة لتحلق في عوالم فلسفية جليّة  فيصبح المتلقي مشاركاً فعالاً في الإبداع.

ورغم وجود الأدب الوجيز قديماً لكنه كان خجولاً قليلاً أمام المطوّلات والسرديات و عاد الآن  قوياً منتشراً مثبتاً تأثيره الواضح.

ويبقى السؤال عالقاً:  هل الأدب الوجيز تمرد على المألوف؟  أو هو حركة تجاذبية تجديدية مشرعة 

على مستقبل أدبي جديد ؟