"الجهاديون" التونسيون العائدون.. قنبلة موقوتة على وشك الانفجار

"الجهاديون" التونسيون العائدون.. قنبلة موقوتة على وشك الانفجار

أخبار عربية ودولية

السبت، ٤ فبراير ٢٠١٧

 "هل سينتهي موسم الهجرة إلى الجهاد قريبا؟ وإذا ما انتهى، فهل سيعود الأبناء الضالون إلى البلاد؟ وما العمل إن عادوا؟"، اسئلة افتتح بها محمد رامي عبد المولى بحثه في "السفير العربي"، الذي يحاول إضاءة الأزمة التي تنتظر تونس من عودة الجهاديين إليها.

تونس صارت "واحدة من كبار المصدرين للإرهابيين في العالم"، يقول عبد المولى، إذ يقدر عدد التونسيين بالآلاف في "مختلف ورشات الجهاد المفتوحة في الوطن العربي والشرق الأوسط عموما". فيما ما تزال تصريحات كبار المسؤوليين التونسيين "ضبابية ومتضاربة أحيانا" بشأن عودة هؤلاء وتوبتهم. الأمر الذي سبب لغطا كبيرا في تونس على المستويين الشعبي والسياسي.

يستذكر الباحث في مقاله المعنون بـ (تونس: مأزق "عودة الابن الضال") عودة "الأفغان العرب" وتأسيسهم جماعات جهادية محلية في بلدانهم. ويشير إلى أن السجال المفتوح يهمل سهوا أو عمدا جوانب هامة في هذه القضية، منها "كيفية استقطاب وتسفير هؤلاء المقاتلين" والبحث عن "من هم هؤلاء العائدون ولماذا يذهبون إلى بؤر التوتر".

يقول عبد المولى أن الموضوع أثير عدة مرات في السنوات الأخيرة، لكنه سرعان ما يلفه النسيان! "يبدو أن المزاج الشعبي يفضل ضمنيا فكرة التخلص من هؤلاء الأبناء الضالين في الخارج على عودتهم إلى الوطن وإمكانية تحولهم إلى قنابل موقوتة قد تنفجر في أي وقت".

لكن تصريحات رئيس الجمهورية قبل نحو شهر التي صرح فيها أنه لا يمكن منع أي تونسي من العودة إلى بلاده، إلا أنه سيتم التعامل معهم أمنيا وسياسيا "بما يقتضيه الوضع"، أعادت إحياء النقاش، خاصة أنه جاء "بعد يومين من سيطرة الجيش السوري على أغلب" الأحياء الشرقية في حلب، وبعد خمسة ايام من مؤتمر الاستثمار الدولي وبعد أربعة أيام من القمة الأوروبية التونسية، فيخلص عبد المولى إلى أن هذا "الكلام كان موجها للخارج أكثر من الداخل.. يبدو أن هناك ضغوطا أوروبية على تونس لتتحمل مسؤولية أفعال أبنائها".

لكن عبد المولى يرصد أن "ردود الفعل الشعبية كانت في المجمل رافضة لعودة الإرهابيين واعتبرتها فتح لباب بلاء قد يزيد الأوضاع الأمنية هشاشة". إلا أن حركة النهضة (أخوان مسلمين)، وهي الحزب الأكبر في تونس "كان لها موقف مرحب جدا" بعودة هؤلاء. فردت العديد من الأحزاب الأخرى باعتبار الإسلاميين "يريدون تبييض صفحة الجماعات الإرهابية القريبة منهم عقائديا". فيما اعتبر البعض الآخر أن القضية كلها غير مطروحة لأنه "لم نسمع بمقاتلين يريدون العودة".

في إطار التعامل القانوني مع هؤلاء يستعرض الباحث القوانين التونسية المتعلقة، ويضيف: "تبقى هناك مشكلتان أساسيتان في التعامل القانوني: تعريف الإرهاب والإرهابي، وإثبات تورط المقاتل العائد من "بؤر التوتر" في أعمال ارهابية. فمثلا هناك المئات من التونسيين انضموا الى حركات المقاومة العربية في التاريخ المعاصر، وبعضهم انخرط في أحزاب ومجموعات تصنفها الدول الغربية كتنظيمات إرهابية".

عبد المولى يطرح التساؤل الأكثر حساسية: كيف تم استقطاب هؤلاء الشباب ومن سفّرهم وكيف خرجوا مجموعات وفرادى بكل سهولة؟ ويقول أن تجنب هذه الأسئلة الحساسة يعود إلى "الإحراج الذي قد يمثله (الجواب) للشيخين الذين يحكمان تونس اليوم: رئيس الجمهورية وزعيم حركة النهضة". فالرئيس الباجي قايد السبسي تقلد منصب الوزير الأول بعد هروب بن علي بأسابيع، وشغله حتى أواخر 2011، وهي الفترة التي "قدمت فيها الحكومة التونسية شتى أنواع الدعم للقوى الغربية والعربية الداعمة لـ-الثورة الليبية- لوجستيا واستخباراتيا وسياسيا. والسلطات التونسية غضت الطرف عن تدفق السلاح والمقاتلين التونيسيين والأجانب باتجاه التراب الليبي دون أي حساب لمصلحة البلاد وأمنها القومي".

ومن ثم، وبعد سقوط القذافي، تحول هؤلاء إلى "ساحات جهاد" أخرى كسورية والعراق.

أما زعيم حركة النهضة، فقد حكم حزبه تونس لعامين كانتا بمثابة "العصر الذهبي للتيارات السلفية الجهادية" حسب عبد المولى. ولم تفعل حكومة الاسلاميين شيئا لوقف سيطرتهم على المساجد، ولم تتصدى لمحاولاتهم الاعتداء على المثقفين والفنانين والنقابيين. بل سمحت لهم باستقدام أكثر الدعاة والشيوخ العرب تطرفا إلى تونس، وإقامة خيما لهم ومنتديات دعوية تكفر أغلب التونسيين. الأمر الذي أدى أن تغلغل التيارت الجهادية في عهد حركة النهضة "في المساجد والمؤسسات التربوية والأحياء الشعبية والمناطق الأكثر تهميشا، مما مكنها من استقطاب آلاف مؤلفة من المواطنين خصوصا الشباب منهم".

"حركة النهضة، بحكم انتمائها العقائدي الإسلامي، كانت تدعم علنا أي طرف قادر على المساهمة في إسقاط الأنظمة القديمة في ليبيا وسورية، وفتح طريق السلطة أمام الأخوان المسلمين"، يؤكد عبد المولى، ويضيف: "سنوات حكم حزب النهضة لم تكن فقط العصر الذهبي لاستقطاب الشباب إلى التيار الجهادي، بل كانت أيضاً موسم الهجرة الجماعية إلى بؤر التوتر" مشيرا إلى أن أغلب هؤلاء خرجوا من معابر برية ومطارات بجوازات سفرهم واتجهوا إلى ليبيا أو تركيا (بوابة الوصول إلى سورية) في وضح النهار.

وحسب دراسة للمركز التونسي للبحوث والدراسات حول الإرهاب نشر قبل شهرين، فإن أكثر من 40% من المتهمين في ملفات قضائية بقضايا إرهابية هم من "مستوى تعليمي جامعي". والنسبة نفسها تقريبا لهم مستوى تعليمي ثانوي. فيما تصدرت الفئة العمرية 25-29 سنة المشهد بنسبة تفوق 28%، تليها فئة 30-34 سنة بنسبة 25%. وشملت الأعمال عمالا وفلاحين وحرفيين وأساتذة وموظفين في القطاعين العام الخاص وأمنيين. لكن نسبة العمال البسطاء هي الأعلى، حسب الدراسة، إذ وصلت إلى 45%.

لكن الدراسة كشفت ان تواجد رجال الدين في صفوف الحركات الجهادية لم يتجاوز 0.85%.

يخلص الباحث التونسي محمد رامي عبد المولى إلى أن هذه الأرقام، وإن كانت تبين جزءا مهما من تركيبة المنضمين إلى الجماعات الإرهابية، شباب ينحدرون من مناطق وطبقات فقيرة، إلا ن الكثير غيرهم لهم زجات وأبناء وأعمال وشهادات جامعية وحتى ثروات. الأمر الذي يشير إلى أن "العوامل العقدية والعقائدية تبقى هي الأكثر تأثيرا"، خصوصا مع رصد إمكانيات مادية كبيرة للدعاية والتجييش، والدور المتعاظم لشبكات التواصل الاجتماعي.