السفاح ... وحش صامت .. وضحايا يبحثون عن ستر للفضيحة

السفاح ... وحش صامت .. وضحايا يبحثون عن ستر للفضيحة

الأزمنة

الأحد، ١٩ يوليو ٢٠٠٩

 

 

من حكمة الله سبحانه وتعالى أنه عندما خلق الذكر والأنثى، وجعل لكل منهما ميلاً غريزياً وانجذاباً تجاه الآخر هدفه إشباع الحاجات الفطرية (كالعاطفة والجنس والتوالد)، أن وضع أسساً ناظمةً لترتيب هذا الإشباع، كي لا يسخّره الناس كل حسب هواه. فجعل الوجه القانوني و الستار الشرعي له هو الزواج، وأرسى له الأحكام والضوابط التي تنظم عيش الرجل مع المرأة، وصفة كل منهما في تسلسل القرابة تجاه الآخر، فحرم الزواج من أصول الشخص بدرجاتٍ معينة، حسب كل زمان ومكان. إلى أن وصل لشكل التشريع الحالي المتفق عليه في الديانات السماوية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلامية ) وبموجب القانون الوضعي، وحتى بموجب المنطق والفطرة السليمة. كحرمة الزواج من الأب والأم، والأخ والأخت، والبنت والابن، والخال والخالة، والعم والعمة، والجد و الجدة، وزوجة الأب وزوج الأم. بل حرم مجرد التفكير بالاتصال الجنسي مع أحد منهم، وعدَّ ذلك في حال حصوله جريمة يعاقب مرتكبوها، مرفوضة من المجتمع العرفي والأخلاقي باسم زنا المحارم أو جرم السفاح.

السفاح لم يكن أبداً جريمة العصر الحديث فحسب أو وليد متغيراته الحضارية والثقافية، إذ إن له تاريخاً ضارباً في عمق التاريخ. حيث أجمع علماء الاجتماع والتاريخ على أن سفاح الأقارب وجد في الكثير من الحضارات السابقة التي عرفها الإنسان، ففي مصر الفرعونية تزوج بعض الملوك من بناتهم، وتزوج البعض الآخر من أخواتهم، فقد تزوج الملك «سنفرو» من ابنته الكبرى«نفرت كاو» وأنجبا ابنهما أمين الخزينة «نفرت ماعت»، وهو الأمر الذي فعله أيضاً الملك«رمسيس الثاني» الذي تزوج أكثر من بنت من بناته، كما تزوج الملك «توت عنخ آمون» من أخته، وقد استمر هذا الوضع حتى العصر الروماني، ولعل زواج «كليوباترا» بأخيها لم يكن تقليداً للملوك المصريين القدماء بقدر ما كان تطبيقاً للنظام الذي كان سائداً في بلاد الإغريق التي جاء منها آباء هذه الملكة، حيث كانت القوانين الإغريقية وخاصة (قانون أثينا) تسمح بالزواج بين الأخوة والأخوات، حيث تزوج «بطليموس الثاني» من أخته «أرسينوس»، وكذلك احتوت الأساطير الإغريقية على الكثير من حالات السفاح ، منها اغتصاب الإله «زيوس» لأمه «ريا»، وزنا الإله «أبولو» بأخته «ارتيميس»، كذلك «كابل» وهى الأم الكبرى للآلهة وللناس زنت مع ابنها وعشيقها «آتيس». ومن أشهر الحوادث التي ذكرها التاريخ الروماني قصة الإمبراطورة «دواجر» التي اتخذت من ابنها عشيقاً تمارس معه الجنس، والإمبراطور الشهير«هرقل» الذي زنا بابنة أخته «مارتينا». أما في بلاد الفرس فلم يكن الحال مختلفاً ففي عام 490 م، ظهر أحد رجال الدين الزرادشتي ويدعى «مزدك» وقام بثورة دعا فيها إلى إباحة الزنا بالمحارم، وقد ناصره الكسرى «كفارة الأول» في دعوته. غير أن الروايات التاريخية المفجعة بالانتشار الهائل للسفاح كانت لدى العديد من القبائل والجماعات البدائية، مثل اغلب قبائل «كمبوديا»الآسيوية، و«الزاندى» في زائير الإفريقية، وقبائل الهنود الحمر«الشيبيوى» وقبائل «الوكوس» في تشيليي و «الإنكاس» في بيرو بأمريكا اللاتينية . وعرفت فرنسا السفاح منذ القدم فقد كانت الملكة «اليانور» زوجة الملك لويس السابع عشيقة لخالها «ريموند» أمير أنطاكيا أثناء الحروب الصليبية، وقد كان من العرف في القرن 19 بالنسبة للآباء الفرنسيين أن يتخذوا من بناتهم محظيات . وفي الهند القديمة كان السفاح منتشراً فكان«بوث» أحد الملوك عشيقاً لأخته، وكان «أجسى» أشهر ملوك الهند القديمة قد تزوج بابنته فأنجبت له. وأيضاً عرفت الهند نوعاً من السفاح الذي يتسامح المجتمع مع من يرتكبونه، ففي بعض مناطق الهند يتزوج أحد الأخوة من فتاة ويشترك معه إخوته في مضاجعتها كما يضاجع هو زوجاتهم، أو عندما يصاب الزوج بحالة من البرود نحو زوجته فإن أخاه يحل محله بتشجيع من الأسرة. وفي اليابان ووفقاً لدراسة أجراها أحد الباحثين عام 1959 وجد أنه ما يزال يوجد مناطق ريفية يتزوج فيها الآباء من بناتهم إذا ماتت الأمهات أو أصبحن غير قادرات على تلبية مطالب الأزواج .

هكذا قالت الأديان

إذاً، فهي جريمة مغرقةٌ بالقدم، تواجه مجتمعات بكاملها ولا تقف عند حد مدني (مدينة أو ريف) ولا تختص بطبقة اجتماعية معينة فقيرة كانت أم غنية، متعلمة أو جاهلة، متدينة أم غيرها، وإن كانت الشرائع السماوية الثلاث خصتها بالذكر والعقوبة لوضوح فحشها، إلا أن من يقدم على ارتكاب هكذا جريمة يتحلل من الإنسانية أولاً قبل الدين . ففي اليهودية وعلى الرغم من تشويهها واستخدامها السياسي لخدمة المشروع الصهيوني، إلا أن الأصل الباقي يوضح حرمة هذا الفعل. فقد ورد في الوصية العاشرة من وصايا نبي الله موسى عليه السلام قوله:}لا تشته امرأة قريبك فمن يزني بامرأة قريبة يستحق الموت{. وفي المسيحية جاء في الإنجيل على لسان بولس الرسول قوله:)يسمع مطلقاً أن بينكم زنى، وزنى هكذا لا يسمى بين الأمم حتى أن تكون للإنسان امرأة أبيه. أفأنتم منتفخون وبالحري لم تنوحوا حتى يرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل) وأما في الإسلام فقد ورد التحريم صريحاً قطعياً ومفصلاً في قول الله عزوجل)حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن..( كذلك فقد نص حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على عقوبة السفاح) من وقع على ذات محرم فاقتلوه) .

طبيعة السفاح

السفاح بالمعنى اللغوي هو: الزنا، ومن حيث المفهوم البيولوجي هو: العلاقة الجنسية بين أقرباء الدم (كالعلاقة بين الأهل والأطفال أو بين الإخوة والأخوات) وبالتعريف القانوني هو : الزنا بين المحارم من ذوي القربى. وتكمن الخطورة في السفاح أن المسيء جنسياً يفترض به أصلاً أن يكون حاميا ًووصياً على الضحية ومصدراً لشعورها بالراحة والطمأنينة، ولذا اعتبره القانون فعلاً جرمياً يستوجب العقوبة، معاقبٌ عليه في معظم القوانين العالمية، وإن شاب بعضها بعض الثغرات، كقانون العقوبات المصري الذي يخلو من أي مادة تعاقب على الزنا بالتراضي سواء بالمحارم أو غيرهن . أو الكثير من القوانين (كقوانين دول الخليج العربي) التي تضع كلاً من الزنا والاغتصاب والسفاح في خانة واحدة وهذا خاطئ، فما يميز هذه الجريمة عن كلٍ من الزنا والاغتصاب عناصرها المكونة وهي :

1- صلة القرابة (الأصول والفروع والأخوة والأصهار) فبانعدام القرابة يكون الجرم زنا أو اغتصاباً بحسب طبيعة ارتكابه.

2- الرضا : أي أن الجرم لا يعتبر سفاحاً إلا إذا كان كلا الفاعلين فوق سن 18 سنة، وما عدا ذلك فالجرم يخضع لوصف الاغتصاب أو الاعتداء على قاصر. إذاً فالحد الفاصل بين السفاح والزنا هو القرابة، وبين السفاح والاغتصاب مع توافر شرط القرابة هو الرضا، فبانعدام الرضا يكون الجرم اغتصاباً وبتوافره يكون سفاحاً، وهو ما يرفضه بعض القانونيين والمحامين، حيث يعتبرون أن الرضا حكماً غير متوافر. أما في القانون السوري، فقد أوقع المشرّع السوري على جريمة سفاح القربى عقوبة فعلية، نظراً لما تسببه هذه الجريمة من آثار نفسية واجتماعية على الضحية، حيث نصت المادة (476) من قانون العقوبات على:1- السفاح بين الأصول والفروع، شرعيين كانوا أوغير شرعيين، أو بين الأشقاء والشقيقات والإخوة والأخوات لأب أو لأم، أومن هم بمنزلة هؤلاء جميعاً من الأصهرة، يعاقب عليه بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات. 2- إذا كان لأحد المجرمين على الآخر سلطة قانونية أو فعلية فلا تنقص العقوبة عن سنتين. 3- يمنع المجرم من حق الولاية.وقد احتاط القانون السوري لصعوبات الموضوع ولاسيما أنه يبقى في كثير من الأحيان طي الكتمان، وفي الإطار السري الذي لا يتعدى العائلة وإن شاب هذا الاحتياط بعض الخلل. فنصت المادة (477) من قانون العقوبات على: (يلاحق السفاح بناء على شكوى قريب أو صهر أحد المجرمين حتى الدرجة الرابعة، وتباشر الملاحقة بلا شكوى إذا أدى الأمر إلى فضيحة). أي لا يمكن تحريك الدعوى العامة إلا بناءً على شكوى أو إدعاء شخصي من المتضرر، ومعنى ذلك أنه لا يحق للنيابة العامة أن تتولى تحريكها بمعزل عن شكوى أو إدعاء المتضرر، إلا إذا أثار الأمر فضيحة وهذا قُصرٌ في القانون.

لهذه الأسباب

تعود أسباب ارتكاب هذه الجريمة المنافية للطبيعة البشرية والعلاقات السوية، إلى عوامل كثيرة منها داخلية تتعلق بشخصية الفرد، أو خارجية تؤثر بشكل غير مباشر على تلك الشخصية فتدفع الشخص إلى ارتكاب هذه الجريمة ومن العوامل الداخلية:(اضطراب التنشئة الاجتماعية الناجم عن التفكك الأسري في أغلب حالته، وضعف الدور التربوي في الجانب الأخلاقي والوازع الديني، وما يتصل بها من إدمان على المشروبات الروحية والمخدرات والحبوب المهلوسة التي تؤثر إن لم تعدم مستوى الوعي العقلي، وتؤدي لفقدان السيطرة على الدوافع والرغبات حيث تفضي أكثر أنواعها لزيادة حدة الرغبة الجنسية غير الواعية. والخارجية أهمها :«الفقر» أصل كل العلل الذي من أول آثاره ضيق المسكن، وربما وجود أكثر من عائلة في البيت الواحد. وثانياً عزوف الشباب عن الزواج وارتفاع نسبة العنوسة والكبت الجنسي الذي قد لا يجد مصرفاً له متوفراً إلا بالأقارب، وضعف إن لم يكن غياب «التوعية الجنسية من قبل الأهل» الذي يؤدي لوصول معلومات ومفاهيم مشوهة للشاب والفتاة من قبل أصدقاء السوء في المدرسة والشارع والعمل، وما أفرزته «العولمة» من غزو ثقافي وقيمي تمثل بانتشار المجلات والقنوات الإباحية، حتى صار منها ما هو عربي التمويل والإدارة ، بالإضافة للسلاح ذي الحدين الأهم الشبكة العنكبوتية «الإنترنت» وكثرة المواقع الإباحية فيها والتي يروج بعضها لزنا المحارم، لدرجة وجود مواقع إلكترونية مختصة بالسفاح فقط. بالإضافة إلى «السياسة الجنائية» التي لم تشدد العقوبة على جرم السفاح، وأدرجته ضمن الجنح المخلة بآداب الأسرة، بينما اعتبرت الاغتصاب جناية، وهو إخلال بالآداب والأخلاق العامة.

سفاح المحارم أكثر تحطيماً للإنسان من الغرباء وهو الذي يؤدي إلى سقوط قيم الإنسان، لأن أكثر شخص ينتظر منه الحماية والأمان هو الذي يعتدي عليه، وغالباً ما يترك آثاراً نفسية لاتمحى، وتُظهر نقمةً على الموقف السابق وعلى الحياة بأكملها. إذ يصبح الرجل خجولاً، قلقاً، يخاف التحدي، ويعاني من الشذوذ والعجز الجنسي، وقد تظهر هذه الأعراض عليه بشكل مباشر«القلق الاجتماعي» ويمكن أن يحدث العكس فيصبح شخصية عدوانية متحفزة. ففي علم النفس ترجح أكثر الدراسات والاستبيانات أن اغلب الشاذين جنسياً قد تعرضوا في صغرهم للاعتداء الجنسي من أحد الأقارب وبنسب تفوق لـ 60%.

أما المرأة فإن أكثر ما ينعكس على حياتها من جراء ذلك خوفها من الرجل عموماً، والرهبة دون أسباب واضحة، والخوف من المستقبل.. هي تشابه الرجل الضحية فيما ينعكس عليها من آثار، ولكنها بالذات تخاف العلاقة العاطفية الخاصة في الزواج، تخاف من أي لمس للأماكن الحساسة من جسدها فذلك يحرك مخاوفها القديمة الراكدة، والمرأة قد يتولد لديها شذوذ جنسي أحياناً بشكل غير مباشر.

والمرأة عموماً في مثل هذه الحالة تكره الرجل وأي علاقة معه، وهذا يفسح لها المجال للميل إلى جنسها حيث تشعر بالأمان في ظل خوفها ورفضها للرجل، وكثير من الزيجات تدمرت بسبب تحرش جنسي بالمرأة حين كانت صغيرة، حتى وإن كان مجرد لمس جارح لملابسها، فالموقف برمته يحدث شرخاً في داخلها.

أخيراً

علينا أن نعلم أطفالنا آداب السلوك الجنسي باعتبار الجنس جزءاً من الحياة الاجتماعية وليس في مناقشته كخطيئة أو إثم.. وضرورة مراقبة الأهل لتصرفات أولادهم والإشراف على علاقاتهم وتوعيتهم من رفاق السوء، ومن السموم التي تبث عبر الفضاء الإعلامي الواسع .

كذلك نحن بحاجة إلى توعية في عملية ردة فعل الضحية على الأمر، وأن لا تنجرف إلى الصمت الذي تجبرها عليه العادات والتقاليد، فعندما يعتدي القريب على قريبه جنسياً ويتكرر الأمر، يصبح هذا الاعتداء مشروعاً في نظر المعتدي، وأمراً يجب أن ينفذ من وجهة نظر الضحية خوفاً من الفضيحة.

سفاح القربى جريمة أخلاقية ونفسية ودينية واجتماعية، وتكمن خطورتها في كونها من أكثر الجرائم تكتماً إذ لا يصل منها إلى المحاكم إلا القليل القليل، لما لها من أثر على سمعة مرتكبيها و سمعة عائلاتهم، وبالتالي إخفاؤها بنظرهم يكون ستراً للفضيحة، أو خشية للعار، أوعلي الأغلب بسبب الموروث المجتمعي الخاطئ، وهو ما يعلل قلة الإحصاءات في هذه الجزئية وصعوبة حصر حالات الضحايا، ولكنه بات يشكل ظاهرة في المجتمع جعلته قيد الدراسات.

جهاد أبو غياضة