هؤلاء الجنود المرتزقة انسحبوا من الجيش الفرنسي والتحقوا بالثوار السوريين
ثقافة
الأحد، ١٥ مايو ٢٠١١
شاع في الفترة الأخيرة خصوصاً بعد الاحتلال الأميركي للعراق استخدام لفظ "المرتزقة " والمرتزقة، هم أَصْحَاب جرايات ورواتب مقدرَة والجنود المرتزقة هم الَّذين يُحَاربُونَ فِي الْجَيْش على سَبِيل الارتزاق وَالْغَالِب أن يَكُونُوا من الغرباء.
و كان يطلق على الجنود المرتزقة اسم "الجنود الضائعة" أو"كلاب الحرب"، حيث كان بعض الجنود القدامى الذين سُرحوا من الجيش وليس لديهم عمل يتجمعون في أماكن خاصة ويشكلون بعض الكتائب والفرق وذلك ليُشبعوا رغباتهم في الحروب والمغامرات.
كانت أبرز مجموعة من المقاتلين الأجانب الذين حملوا السلاح في الشرق الأوسط مجموعة "الفيلق الفرنسي" التي تشكّلت في القرن التاسع عشر لتكون في طليعة الجيش الفرنسي خلال مغامراته العدوانية والاستعمارية في الخارج.
والمعروف عن جيش الانتداب الفرنسي الذي احتل سورية في 24 تموز عام 1920م أن أغلبية عناصره من المرتزقة وخاصة من السنغال والبلغار والألمان والمغاربة.. وكان الهدف الرئيسي لهؤلاء المرتزقة مادياً، لذا كانوا ينفذون أوامر المستعمر الفرنسي دون قيد أو شرط، وكان يطلق عليهم في سورية في عهد الانتداب الفرنسي اسم "فرقة الأغراب".
فرقة الأغراب
أُطلق على الجنود الأجانب العاملين في صفوف قوات الانتداب الفرنسي في سورية اسم "فرقة الأغراب" أو فرقة "الأجانب" عمل ضمن صفوف هذه القوات قدامى الجنود المُسرّحيين من الجيوش النظامية في العديد من دول العالم، والأشخاص الذين يطلق عليهم اسم "خريجي السجون" وهنالك عدد قليل من غير هاتين الفئتين كان هدفهم مادياً.. وارتكب هؤلاء المرتزقة الجرائم الفظيعة بحق أبناء سورية، ولم يزل أجدادنا وجداتنا يروون لنا جرائم الاعتداء على البرلمان السوري عام 1945م والجرائم التي ارتكبها الجنود السنغال بحق حامية البرلمان
.
حين اندلعت ثورة الشيخ صالح العلي، أحد أهم زعماء الساحل السوري، ومن أهم الثوار ضد الاحتلال الفرنسي، ولد عام 1883م في قرية المريقب، ناحية الشيخ بدر في منطقة طرطوس، تركزت عملياته ضد الفرنسيين في سلسلة الجبال الساحلية واستمرت الثورة بقيادته لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة وهي أول وأطول الثورات ضد الانتداب الفرنسي.. توفي يوم الخميس الثالث عشر من شهر نيسان عام 1950م.
إلى المنطقة الساحلية والجبال السورية أرسلت فرنسا قواتها مع عدد من جنود فرقة الأغراب لقمع ثورة الشيخ صالح العلي، وعلى إثر معركة "قصابين" الواقعة شرقي قلعة الخوابي التي تبعد نحو 20 كيلومتراً عن طرطوس، التي خاضها الشيخ صالح العلي ضد هذه القوات المستعمرة، استطاع أسر أربعة جنود من الألمان واثنين من البلغار، عاش هؤلاء الأسرى بين صفوف الثوار وعرفوا المعاملة الحسنة والأخلاق التي يتمتع بها الثوار، وإن ثورتهم هي حق لهم للدفاع عن وطنهم، لذا عرضوا على الشيخ صالح العلي الالتحاق بركب الثورة السورية وكان لهم ذلك، واشتركوا في المعارك ضد الفرنسيين وأبلوا بلاء حسناً وأدوا للثورة السورية خدمات جلّى، ثم ما لبث الضباط البلغار أن التحقوا بثورة إبراهيم هنانو، وفي أحد الأيام عرض أحد هؤلاء الضباط على هنانو بأنه يود مراسلة زملائه من البلغار في الجيش الفرنسي "فرقة الأغراب" فيشرح لهم أوضاع الثورة السورية، ويطلب منهم الالتحاق بها.
خريستو البلغاري
اقنع الضباط البلغار الزعيم هنانو بإرسال مرسال إلى زميلهم البلغاري في فرقة الأغراب المتواجد ضمن القوات الفرنسية في مدينة اللاذقية، وهذا الضابط يدعى خريستو.. كتب الضباط البلغار في شباط من عام 1921 م رسالة مفصلة إلى زميلهم خريستو شرحوا من خلالها وضع الثورة السورية والأخلاق التي يتمتع بها الثوار، وضرورة الْتحاقه بهذه الثورة، سُلّمت الرسالة إلى الزعيم هنانو، والذي عهد بدوره إلى المجاهد هزاع أيوب لإيصالها إلى خريستو البلغاري، واشتهر هزاع بأنه لعب خلال الثورات السورية ضد الاستعمار الفرنسي دوراً هاماً جداً جعله يحظى بمكانة خاصة بين زملائه المجاهدين وقادة تلك الثورات، فقد أطلق عليه "إبراهيم هنانو" وزملاؤه المجاهدون لقب "شيبوب ثورة الشمال" حيث كان صلة الوصل بين الثورات السورية الثلاث: ثورة "هنانو" وثورة "عمر البيطار" وثورة "صالح العلي"، ووسيلة هنانو للتواصل مع المجاهدين على مختلف الجبهات وكان يوصف بالغزال ومن المشهورين بالذكاء وتدبير الحيل وقضاء المهمات الصعبة.
وصل هزاع مع الرسالة إلى اللاذقية وتنكر بزي بائع متجول يجر حمارا يحمل الخضراوات والبيض، واستطاع بذكائه الدخول إلى الثكنات العسكرية الفرنسية في مدينة اللاذقية، واستطاع التعرف على الضابط خريستو، وسلّمه الرسالة، وقام صديق خريستو العربي والمعروف بصادق المغربي وهو ضابط وكيل في فرقة الأغراب أيضاً، بترجمة الرسالة إلى خريستو، واتفقوا جميعاً على اللحاق بالثورة السورية، واتفقوا أن يلتقوا ليلاً في موقع يبعد ثمانية كيلو مترات جنوبي الطريق العام، وبعد العشاء حضر خريستو وصادق المغربي ومعهما واحد وعشرون ضابطاً وجندياً من المغاربة والبلغار والألمان العاملين في فرقة الأغراب، ومعهم عدد من الدواب المحملة بصناديق العتاد الحربي والرشاشات، واتجهوا جميعاً إلى قرية "قيماس" حيث كان يتواجد الزعيم هنانو فاستقبلهم هنانو بالترحاب.. وشارك هؤلاء الضباط البلغار
والمغاربة في المعارك الحربية التي كانت تقع بين الثوار وقوات الانتداب الفرنسي وأبلوا بها بلاءً حسنا.. إلى أن وقعت معركة "مكسر الحصان" يوم 16 تموز من عام 1921م والتي شارك فيها الضابط خريستو البلغاري والجنود والضباط الألمان والبلغار والمغاربة الذين التحقوا بالثورة السورية، وقاتلوا المستعمر الفرنسي وأذياله من المرتزقة والمتعاونين معه بقوة وشجاعة، واستطاع خريستو قتل أحد أهم المتعاونين مع قوات الانتداب برصاص مسدسه، ولكن أتباع هذا المتعاون تكاثروا عليه وقتلوه، وكان نصيب هؤلاء الجنود من البلغار والألمان القتل، ولم ينج منهم إلا اثنان استسلما إلى الفرنسيين.
هذه الحادثة النادرة والظاهرة البطولة الإنسانية التي جعلت أولئك الأبطال يقعون صرعى بعيداً عن بلادهم، دفاعاً عن قضية عادلة لشعب مضطهد محتل يدافع عن وطنه وكرامته.. هذه الحادثة عن البلغاري خريستو والمغربي صادق لم يذكرها مؤرخو الثورة السورية، ولولا أدهم بن محمد الجندي لم تصلنا هذه المعلومة النادرة، وهذا مما يدعونا جميعاً للبحث في الصفحات المطوية من تاريخ بلادنا لأننا على ما يبدو حتى الآن لم نعط الوثيقة حقها والأرشيف حقه ولازالت مؤسساتنا وعلى رأسها مجلسا الشعب والوزراء، لم تعرف الطريق إلى ذلك ولم يدركوا أهمية ذلك.؟
صحيح أن هنالك العديد من مراكز البحث والدراسات المدعومة من الدولة ولكنها مع الأسف بقيت أسيرة أفكار القائمين عليها وضمن دائرة رؤية محدودة.
شمس الدين العجلاني - أثينا
alajlani. shams@hotmail. com